بين إيران والصهيونية.. حرب بمنطق كسر الإرادة

 

 

 

ناجي جمعة سالم البلوشي

عادةً ما يسود هذا المنطق في الحروب الكبرى، ففيه لا يكون الهدف دائمًا احتلال الأرض أو تدمير السلاح، بل تحطيم ما هو أعمق من ذلك ألا وهو تحطيم إرادة الخصم في الاستمرار. ذلك أن الصراع، في جوهره، ليس مواجهة قدرات الخصم فحسب، بل اختبار صمودٍ نفسي وسياسي وأخلاقي.

من هنا نشأ ما يُعرف في الفكر الاستراتيجي بـ”منطق كسر الإرادة”، وهو مفهوم يتجاوز التكتيك العسكري إلى هندسة الإدراك الجمعي للطرف المقابل. ولقد أشار المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز إلى أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وأن الغاية النهائية منها هي “إخضاع إرادة الخصم”. فالمسألة هنا ليست معتمدة على عدد الغارات الجوية ولا مدى الصواريخ، بل قدرة القيادة على إقناع شعبها بأن الاستمرار في القتال ما زال ممكنًا ومجديًا.

وفي السياق ذاته، رأى المنظّر الإيطالي جوليو دوهيه أن الضربات الجوية الواسعة على العمق المدني قد تُسقط الروح المعنوية قبل أن تُسقط الجيوش وهو ما تستخدمه اسرائيل وأميركا في حروبها اليوم؛ حيث انه منطق مختلف عن منطق كسر القدرة فاذا كان كسر القدرة يعني تحييد السلاح، تعطيل القواعد، وإضعاف البنية التحتية. فإن كسر الإرادة يعني دفع القيادة السياسية إلى الاقتناع بأن كلفة الاستمرار أعلى من أي مكسب ممكن. هنا تتحول الحرب إلى معادلة نفسية مفادها: هل ما زال الشعب مستعدًا لتحمل التضحيات؟ هل تستطيع القيادة تسويق الاستمرار بوصفه خيارًا عقلانيًا؟ هل يملك الخصم سردية صمود؟

وفي هذا الإطار، تصبح الضربة العسكرية رسالةً رمزية بقدر ما هي فعلٌ مادي. وقد يكون أثرها في العقول أهم من أثرها على الأرض والميدان. ولمنطق كسر الإرادة أدوات ووسائل متنوعة، لكنها تجتمع حول هدف واحد: إعادة تشكيل إدراك الخصم لميزان القوى؛ وذلك من خلال:

  1. الصدمة المركزة: عمليات مكثفة وسريعة تهدف إلى إرباك القيادة وإظهار اختلال جذري في التوازن.
  2. استهداف الرموز: ضرب مواقع ذات قيمة سيادية أو معنوية لإحداث أثر نفسي يتجاوز الخسارة المادية.
  3. الاستنزاف الطويل: تحويل الحرب إلى عبء اقتصادي واجتماعي مستدام، بما يخلق ضغطًا داخليًا.

4- الحرب الإعلامية: تضخيم الإنجازات وبث رسائل الحتمية والانتصار الوشيك. وهذا ما نراه جيلا في الحرب الدائرة بينهما الا ان المخاطرة الكبرى من هذا المسار يتوقف فقط عند سوء تقدير الإرادة فهذا المنطق محفوف بالمخاطر لان الإرادة النفسية ليست عنصرًا ثابتًا يمكن قياسه بدقة.

وهناك مجتمعات كثيرة أظهرت قدرتها على التماسك حين شعرت بتهديد وجودي من الحرب، فكانت الضربات التي كان يُراد منها إضعاف المعنويات أدت أحيانًا إلى تعبئة وطنية معاكسة ولنا في غزة العزة عبرة وشاهد. لذا دائما ما يكون الرهان على كسر الإرادة مقامرة عالية الكلفة لأن الخطأ في تقدير صبر الخصم قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن ضبطه، خاصة إذا ارتبطت المعركة باعتبارات الهوية والسيادة او اعتبارات أخرى كالتاريخ والعقائدية المتوفرة في إيران اليوم.

وحيث إن منطق كسر الإرادة هدفه افتراضا أن الطرف المقابل يصل إلى نقطة يقول عندها: “كفى” إلا ان هذا الهدف صعب البلوغ خاصة اذا كان الخصم اسلامي الدين فلم يشهد في التاريخ هذا البلوغ.

والسؤال المطروح هنا ماذا لو لم يصل الخصم الى هذه النقطة و اعتبر التراجع هزيمة وجودية؟ هنا تتحول الحرب إلى صراع مفتوح، ويتبدد الأمل الموضوع في حسمٍ سريع للمعركة، وهو ما يسوق له الاعلام الصهيوني على لسان قادته لإقناع شعبه اللقيط.

ولأنها محاولة لنقل مركز الثقل من الميدان إلى الوعي؛ حيث إن أخطر ما في هذا المنطق أنه يعتمد على وضع قراءة نفسية للخصم مع وضع قناعة ووعي نفسي للشعب، لكن هذا ليس مؤكد النجاح؛ فالنفس الجماعية للأمم ليست معادلة رياضية فقد تُرهق، وقد تتصلب، وقد تتبدل فجأة بفعل حدث رمزي أو خطاب تعبوي او إعلام مظلل، ويبقى الرهان فيه على أن الإنسان- لا السلاح- هو الحلقة الأضعف في معادلة الحرب.

غير أن التاريخ يُظهر أن الإرادة قد تكون أحيانًا أصلب من الحديد، وأن المجتمعات حين تشعر بأن وجودها وكرامتها مهددة قد تتحول إلى طاقة صمود غير متوقعة.

لهذا، فإن التعقل الاستراتيجي لا يكمن في تعظيم القدرة على الضغط فحسب، بل في إدراك حدود الضغط. فالحرب التي تُبنى على فرضية انهيار الإرادة قد تنتهي بانهيار الحسابات نفسها لتنقلب المعادلة الى معاناة طويلة الأمد.

الأكثر قراءة

z