عبيدلي العبيدلي **
رابعًا: الفرص – لماذا يمكن أن يكون الاقتصاد البرتقالي نقطة تحول للمرأة الخليجية؟
رغم السلبيات والتحديات، فإن الاقتصاد البرتقالي يفتح أمام المرأة الخليجية فرصًا فريدة قد لا تتوفر بنفس الدرجة في قطاعات أخرى.
أول فرصة هي القابلية العالية للرقمنة العابرة للحدود. على سبيل المثال لا الحصر، يُظهرالتقرير الإبداعي لإمارة دبي، أن القطاع الإبداعي أصبح رافعة واضحة لاقتصاد الإمارة، مع توسع في شركات التصميم، والإعلام الرقمي، والألعاب، والمنصات الثقافية، واستهداف واضح للأسواق العالمية. هذه الديناميكية نفسها تتيح لمبدعة بحرينية أو سعودية أن تبني مشروعًا إبداعيًا موجّهًا للأسواق الإقليمية والعالمية دون الخروج من بيئتها المحلية، عبر التجارة الإلكترونية، ومنصات الخدمات الرقمية، وسلاسل القيمة الإبداعية العابرة للحدود.
الفرصة الثانية تتمثل في أن الاقتصاد البرتقالي يُكافئ التنوع في الرؤى والخبرات. صناعات مثل الإعلان، وصناعة الأفلام، وتصميم الألعاب، وإنتاج المحتوى الثقافي، تحتاج إلى أصوات وخلفيات اجتماعية مختلفة، والمرأة الخليجية هنا تحمل مخزونًا غنيًا من الخبرة الثقافية واللغوية والاجتماعية، يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية عالمية عندما يُترجم إلى أعمال فنية ومنتجات إبداعية تعكس خصوصية الخليج وتخاطب العالم.
الفرصة الثالثة هي أن كثيرًا من دول الخليج بدأت تربط بين الاقتصاد البرتقالي ورؤية تمكين المرأة والشباب صراحةً، كما يظهر في أهداف رؤية السعودية 2030، والاستراتيجيات الثقافية في الإمارات وقطر والبحرين، وتقارير الاستشارات الدولية التي تتحدث عن "النهضة الثقافية" في الخليج. هذا يخلق إطارًا سياسيًا ومؤسسيًا يمكن البناء عليه للمطالبة بحصص تمويلية، وبرامج تبني الحاضنات والمسرّعات الموجهة للنساء المبدعات، ومسارات واضحة للترقي القيادي في المؤسسات الثقافية والإبداعية.
رؤية استشرافية لمستقبل العلاقة بين المرأة الخليجية والاقتصاد البرتقالي
إذا حاولنا استشراف أفق السنوات العشر القادمة، يمكن القول إن العلاقة بين المرأة الخليجية والاقتصاد البرتقالي مرشحة لأن تتحول من علاقة حضور إلى علاقة تأثير وقيادة، بشرط أن تُستثمر اللحظة الحالية بذكاء.
من ناحية الطلب، دول الخليج تستثمر مليارات الدولارات في البنية التحتية الثقافية: مدن الفنون، والمناطق الإبداعية، والمهرجانات والمواسم الترفيهية، والمراكز البحثية والفنية، مع أهداف واضحة لتعظيم مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي وتنويع الاقتصاد. هذا يعني أن حجم "الكعكة البرتقالية" سيتوسع بالضرورة؛ فكما تشير التقديرات إلى أن مساهمة القطاع يمكن أن تصل إلى عدة نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في عدد من دول مجلس التعاون إذا تحقق ما هو مرسوم في الخطط الوطنية.
من ناحية العرض، لدينا جيل جديد من النساء الخليجيات: متعلمات، مهيئات رقميًا، ومتصلات بالعالم، ويمتلكن حسًا تجاريًا وإبداعيًا في آن واحد. مبادرات مثل شبكة "مهيرة" في السعودية، وبرامج تمكين رائدات الأعمال في مجالات العلاقات العامة والتسويق الرقمي، تشير إلى أن هناك اليوم بنية أولية لتكوين جيل من القيادات النسائية الإبداعية في الخليج، لا يكتفي بصناعة المحتوى، بل يشارك في تصميم استراتيجيات الصناعة نفسها.
- الفرضية الأساسية: الاقتصاد البرتقالي سيتحول من هامش إلى رافعة في الخليج
تتحدث العديد من التقارير المتخصصة في مجالات الصناعات الثقافية والإبداعية في دول الخليج مثل تقرير PwC عن إمكانات التحول في هذا القطاع، والاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات، وإطار رؤية السعودية 2030، تتفق على أن:
- أن الصناعات الثقافية والإبداعية في الخليج ستنمو من وضع "قطاع ناشئ" إلى مكوّن منظم في الناتج المحلي غير النفطي، مع أهداف كمية تقريبية بين 3-5% من الناتج المحلي في السعودية والإمارات خلال العقد القادم.
- أن هذا النمو لن يكون فقط في الإنتاج الفني التقليدي، بل في الخدمات الإبداعية عالية القيمة: التصميم، صناعة المحتوى الرقمي، التسويق الإبداعي، الألعاب، المنصات الثقافية، الترفيه المنظم.
علميًا، هذا يعني أننا نتعامل مع قطاع في مرحلة نمو مبكر (early growth)نسبيًا، حيث: مرونة التوظيف
(elasticities of employment) عالية (كل زيادة في الطلب الإبداعي تولّد وظائف جديدة)،
- أن المرونة التكنولوجية والتنظيمية فهي كبيرة، وكثيرة نسبيًا (إمكانية القفز على مراحل تقليدية).
من منظور استشراف، هذا النوع من القطاعات هو بالضبط ما تفضّله السياسات المهتمة بتمكين المرأة: تكلفة الدخول فيه أقل من الصناعات الثقيلة، وحواجزه الثقافية أقل من بعض القطاعات الذكورية التقليدية.
- موقع المرأة الخليجية في هذا القطاع: من "قوة كامنة" إلى "قوة محسوبة"
لدينا معطيان قويان يمكن استخدامهما كنقطة انطلاق:
- هيكل القوة العاملة الإبداعية في مينا والخليج
-
- دراسات عن صناعة الاتصال والإبداع في مينا تظهر أن النساء يشكّلن نسبة عالية من العاملين في الأدوار الإبداعية اليومية (استراتيجيات، محتوى، تصميم، إنتاج)، مع تقديرات بأنهن يمثلن نسبة قريبة من النصف في بعض الوكالات والشركات، رغم أنهن لا يتجاوزن تقريبًا ثلث المناصب القيادية العليا.
- في السعودية، تحليلات متخصصة تؤكد أن الشابات في قلب "الثورة الإبداعية" المرتبطة برؤية 2030، ويتولين قيادة مشاريع ومبادرات في الإعلام، والإعلان، والتصميم، وريادة الأعمال الثقافية.
-
- خيارات العمل المفضّلة لدى الشابات
- تظهر تقارير عن سوق العمل في الخليج أن جيل الشابات يميل إلى القطاعات الخدمية والمعرفية/الإبداعية أكثر من تفضيله للقطاعات الصناعية التقليدية، وأن معدلات التحصيل التعليمي في التخصصات الاتصالية والإعلامية والرقمية مرتفعة بين النساء.
علميًا، يمكن صياغة فرضية استشرافية كالتالي:
-
- إذا كان قطاع (الاقتصاد البرتقالي)، سيُدفع سياسيًا واقتصاديًا للنمو، وكانت النساء أصلاً يشكلن نسبة عالية من العاملين فيه، فمن المتوقع أن تكون زيادة القيمة المضافة والوظائف في هذا القطاع ذات أثر نسوي غير متناسب (disproportionately female‑impact) مقارنة بقطاعات أخرى.
بعبارة أخرى: كل نقطة مئوية إضافية من الناتج المحلي تأتي من الاقتصاد البرتقالي في الخليج، سيكون جزء معتبر منها من عمل النساء، حتى قبل أن ننجح في كسر سقف القيادة.
** خبير إعلامي
