عُمان عظيمة بشعبها

 

 

 

د. خالد بن علي الخوالدي

 

أكثر ما شدّني ولفت انتباهي في الحرب التي يشنها كيان الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هو الوعي المجتمعي الراقي للشعب العُماني، وقد لا تظهر في الأوقات العادية مظاهر الوعي المجتمعي، لكن في لحظات الأزمات والتوترات تتجلى معادن الشعوب الحقيقية، وتظهر قدرتها على التعامل مع الأحداث بعقلانية ومسؤولية.

ومن هذا المنطلق يحق لنا أن نتوقف بكل تقدير وإجلال أمام ما أظهره الشعب العُماني من وعيٍ راسخ ومسؤولية وطنية خلال الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة فقد كان المشهد العُماني مثالاً لافتاً للنضج المجتمعي والوعي الإعلامي، وهو ما يستحق الشكر والثناء لكل مواطن ومقيم أسهم في ترسيخ هذه الصورة المشرقة.

لقد أثبت الشعب العُماني- بما لا يدع مجالًا للشك- اتزانه وحكمته في التعامل مع الأخبار والمعلومات في أوقات التوترات؛ حيث لوحظ انخفاض انتشار الشائعات، مقارنة بما يحدث عادة في مثل هذه الظروف في كثير من المجتمعات، وهذا في رأيي وتقديري ناتج عن ثقافة متراكمة من الوعي المجتمعي والحكمة التي تسير عليها الدولة التي تبلورت لتنتج هذا الوعي.

وبحكم شغفي بمتابعة أخبار هذه الحرب مثل أكثر النَّاس، نتابع ونرصد ونراقب الكثير من الأخبار والتحليلات عبر منصات التواصل الاجتماعي، والملاحظ- ولله الحمد- التزام كثير من أبناء المجتمع العُماني بمبدأ مهم يتمثل في عدم نشر أو تداول المعلومات المتعلقة بالأحداث التي حصلت في الداخل العُماني إلّا عبر المصادر الرسمية الموثوقة، ومن أبرز هذه المصادر وكالة الأنباء العُمانية وبيانات وزارة الخارجية وشرطة عُمان السلطانية ومركز التواصل الحكومي ووزارة الدفاع، إضافة إلى الحسابات الرسمية للمؤسسات الحكومية في منصات التواصل الاجتماعي التي لها علاقة مباشرة بما يحدث، وقد شكَّل هذا الالتزام نموذجًا حضاريًا يعكس إدراك المجتمع لأهمية الاعتماد على القنوات الرسمية في أوقات الأزمات.

إنَّ المجتمع الواعي يمثل أحد أهم عناصر الاستقرار لأي دولة؛ فحين يمتلك الأفراد القدرة على التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة غير الموثقة، فإنهم يسهمون بشكل مباشر في حماية الاستقرار الاجتماعي والنفسي، وهذا ما تجسد بوضوح في التجربة العُمانية؛ حيث تعامل الناس مع الأخبار بحذر ووعي، بعيدًا عن الانجرار وراء التحليلات غير المتخصصة أو الأخبار غير المؤكدة.

الكلمة لها تأثيرها ووقعها وخطورتها وتؤدي دورا بالغا في تغيير القناعات والتوجهات والسلوكيات فإذا خرجت بدون إدراك ومسؤولية واتزان قد تؤثر تأثيرا كبيرا يفوق تأثير الصواريخ، وتعمل الكلمة غير المحسوبة على نشر القلق وانعدام الطمأنينة والثقة وتربك المؤسسات في تأدية أعمالها ودورها الوطني، ففي وقت الأحداث لا مجال لتصحيح المعلومات وكتابة التوضيحات والتنبيهات، وقد لمسنا خلال هذه الفترة كيف أن كثيرًا من المستخدمين العُمانيين تعاملوا مع المنصات الرقمية بروح المسؤولية، فكانوا حريصين على نشر الرسائل الإيجابية والدعوة إلى التهدئة والتحقق من المعلومات.

اليوم.. أصبح الفرد بمفرده يشكل منظومة إعلامية عبر هاتفه المحمول وحساباته في منصات التواصل الاجتماعي، لذا تصبح الكلمة عنصرا مؤثرا في الأمن النفسي والاستقرار المجتمعي، فالمعلومة الدقيقة تطمئن الناس وتمنحهم وضوحًا في فهم ما يجري، بينما المعلومة غير الدقيقة قد تتحول في لحظات إلى إشاعة قادرة على صناعة القلق الجماعي، ومن هنا تتضاعف أهمية المسؤولية الفردية في التعامل مع الأخبار.

ومن الجوانب الحسّاسة التي أدركها المجتمع العُماني الواعي خطورة تداول المعلومات المرتبطة بالمواقع الحساسة أو التحركات الأمنية؛ فمثل هذه المعلومات- حتى وإن تم تداولها بحُسن نية- قد تضر بالأمن الوطني وتمنح أطرافًا أخرى معلومات لا ينبغي أن تكون متاحة، ولذلك فإن الامتناع عن نشر مثل هذه التفاصيل يعكس حسًّا وطنيًا عاليًا وإدراكًا لطبيعة المسؤولية المشتركة في حماية الوطن. وفي عالم اليوم لم تعد الحروب تخاض فقط بالسلاح التقليدي، بل أصبحت المعلومة نفسها جزءًا من ساحة المعركة؛ فالحروب المعاصرة تعتمد بشكل كبير على التأثير الإعلامي والنفسي، ومحاولة توجيه الرأي العام عبر الأخبار المُضلِّلة أو الحملات الإعلامية المنظمة، وهنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي كخط دفاع أول في مواجهة هذه التحديات.

إن عُمان عظيمة بشعبها ليس عنوانًا لمقال صحفي؛ بل حقيقة دامغة؛ فهذا الشعب يدرك بوعيه العميق القيمة الحضارية والتاريخية لعُمان، لذا يتعامل مع الأحداث بوعي لأنه شريك حقيقي في حماية واستقرار هذا الوطن العزيز، فحين يكون المجتمع واعيًا ومسؤولًا تصبح الدولة أكثر قوة وثباتًا، وهنا تتجلى الحقيقة البسيطة والعميقة بأن عُمان عظيمة بشعبها.

ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.

الأكثر قراءة

z