القبول ليس استسلامًا

 

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

 

في حياة الأفراد كما في مسارات الأمم تتكدّس أمامنا حقائق لا تملك بابًا خلفيًا للهروب، ولا نافذة للالتفاف، حقائق لا تُقاس بالرغبة ولا تُقاس بالأحلام ولكننا نقيسها بصلابتها وقدرتها على فرض وجودها مهما حاولنا إنكارها. من هنا تبرز الحكمة الإنسانية القديمة التي تقول "ما لا نستطيع تغييره، علينا تقبّله"، لا بوصفها دعوة للاستسلام في حقيقتها، وإنما باعتبارها مدخلًا ناضجًا لفهم الواقع والتعامل معه بعقلانية ومسؤولية، كثيرًا ما نخلط بين القبول والعجز؛ فنتصوّر أن تقبّل الأمر الواقع يعني رفع الراية البيضاء، والتخلّي عن الطموح، والتنازل عن الحق في الحلم، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا التبسيط، القبول لا يعني التخلّي عن الفعل أبدًا، لكنه يعني أولًا الاعتراف بالحدود الفعلية لما يمكن تغييره وما لا يمكن، هو خطوة أولى في طريق الحكمة، لأن من لا يعترف بالواقع، يعجز عن التعامل معه.

في المجال الشخصي يواجه الإنسان منذ ولادته معطيات لم يخترها: العائلة، البيئة، الجينات، وحتى بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية، قد يقضي سنوات طويلة في صراع مرير مع هذه المعطيات، محاولًا تغيير ما لا يخضع لإرادته، فيستنزف طاقته ويخسر سلامه الداخلي، بينما يقوده القبول الواعي إلى توجيه جهده نحو ما يستطيع تغييره فعلًا: سلوكه، معرفته، مهاراته، وخياراته المستقبلية. هنا يصبح القبول فعل قوة لا فعل ضعف، أما على المستوى الاجتماعي فالمجتمعات أيضًا تواجه حقائق قاسية: تحولات ديموغرافية، أزمات اقتصادية عالمية، تغيّر مناخي، أو تحوّلات ثقافية لا يمكن إيقافها بقرار أو خطاب، الإنكار في هذه الحالات لا يؤخّر المشكلة؛ بل يضاعفها، فالتاريخ مليء بأمثلة دول ومجتمعات دفعت ثمن رفضها الاعتراف بالواقع، بينما نجحت مجتمعات أخرى لأنها قبلت الحقيقة مبكرًا وتكيّفت معها بذكاء.

التقبّل هنا لا يعني الرضا بالظلم أو السكوت عن الخطأ، فهناك فرق جوهري بين ما لا يمكن تغييره، وما لا نريد تغييره، وما يجب تغييره، الظلم على سبيل المثال ليس قدرًا محتومًا، والفساد ليس قانونًا طبيعيًا، والتخلّف ليس مصيرًا أبديًا، هذه قضايا يمكن تغييرها بالنضال والعمل والإصلاح، أما الزمن، والموت، وبعض الخسارات، وبعض التحولات الكبرى، فهي حقائق لا تخضع لإرادتنا، والوعي بها يساعدنا على التعايش معها بدل أن تحطّمنا، في عالم اليوم حيث تتسارع الأحداث وتتلاحق الأزمات، يبدو الإنسان أكثر توترًا وقلقًا من أي وقت مضى، وسائل التواصل الاجتماعي تضخّم الإحساس بالعجز، وتقارننا باستمرار بنماذج مثالية قد لا تكون واقعية، هنا يصبح القبول ضرورة نفسية، تقبّل أن حياتك ليست نسخة عن حياة الآخرين، وأن مسارك فريد بظروفه وتحدياته، يحرّرك من سباق وهمي لا نهاية له.

من منظور شخصي أرى أن ثقافة القبول الواعي تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء رأي عام ناضج، الرأي العام الذي يميّز بين الحلم المشروع والوهم، وبين الطموح والإنكار، هو رأي قادر على الضغط من أجل التغيير الحقيقي، لا التغيير الشعاراتي؛ فالإعلام حين يكرّس خطاب الواقعية دون تشاؤم، يسهم في توجيه المجتمع نحو حلول قابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بالغضب، التقبّل كذلك يفتح الباب أمام المصالحة: مصالحة الإنسان مع نفسه، ومصالحة المجتمع مع تاريخه، فالأمم التي لا تتصالح مع ماضيها بما فيه من أخطاء وهزائم، تظل أسيرة له، الاعتراف لا يعني أبدًا التبرير؛ بل نجد معناه الحقيقي في الفهم، والفهم هو شرط التجاوز.

ختام حديثنا نجد أن عبارة "ما لا نستطيع تغييره علينا تقبّله" ليست شعارًا للاستكانة، ولكنها فلسفة للحياة المتزنة، هي دعوة إلى التمييز بين ما هو خارج سيطرتنا وما هو داخلها، وإلى استثمار طاقتنا فيما يُجدي، حين نقبل الواقع كما هو، لا نفقد قدرتنا على الحلم، ولكننا نعلم يقينًا أننا نمنح الحلم أرضًا صلبة يقف عليها، فالإنسان القادر على القبول هو ذاته القادر على التغيير الحقيقي، لأنه يعرف من أين يبدأ، وإلى أين يتجه، وبأي ثمن.

 

الأكثر قراءة

z