من الذي يوجِّه بوصلة الحرب والسلام على ضفتي الخليج؟

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي

 

يعيش العالم من أقصاه إلى أقصاه هذه الأيام في ظروف استثنائية غير مسبوقة من الفوضى العارمة؛ إذ يسود نظام الغاب الذي يعتمد على سياسات الحروب والسيطرة على مُقدرات الشعوب وثرواتها بدون مُبرر.

ومن المفارقات العجيبة ومن السذاجة أيضًا أن نعرف سطحية القيادة الأمريكية الحالية وجهلها بالأمور؛ فالصهيونية المسيحية المتطرفة التي يمثلها اليوم مجموعة من المتنفذين في واشنطن وتل أبيب، يتحدثون عن حرب عقائدية ضد المسلمين التي هي عبارة عن تعليمات إلهية لتحقيق وعود تلمودية مزعومة لنزول المسيح عليه السلام، ولعلَّ ما قاله مايك هاكابي السفير الأمريكي لدى إسرائيل، هو في واقع الأمر اعتراف بأنَّ هناك حربًا دينية مقدسة لتحقيق أهداف إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل؛ تمهيدًا لتحقيق وعود التوراة والإنجيل.

وبالفعل ابتُلينا هنا في منطقة الخليج العربي بحروب عبثية مفروضة من الخارج لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولكنها تستهدفنا في مقتل في الأرواح والممتلكات والموارد الطبيعة والبيئة فقد أحرقت هذه الحرب المدمرة الأخضر واليابس؛ فنحن ندفع أثمانًا باهظة بسبب قلة الحيلة وسوء التخطيط في علاقاتنا مع الآخرين؛ سواء من كنَّا نعتقد أنهم حلفاء من الغرب الذين يزعمون طوال العقود الخمسة الماضية بأنهم الحماة للأمن الخليجي، أو من الجيران في الضفة الشرقية من الخليج والذين يسعون دائمًا وعبر التاريخ إلى التمدد والحصول على النفوذ في الضفة الأخرى للخليج.

يبدو لي أنَّ أهم التحديات التي تسبّبت في جعلنا هائمين وغير مُدركين للواقع وفقداننا لبوصلة الحرب والسلام معًا بعد أن خطف اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني القرار الأمريكي وأشعل الحرب على ضفتي الخليج، ولكن بالتأكيد قرار وقف الحرب الآن بيد القيادة الإيرانية التي أظهرت صمودًا ومقاومة غير متوقعة، ويمكن إيجاز تلك التحديات في النقاط الآتية:

أولًا: ثقافة عدم الثقة والخوف الدائم والخلافات البينية بين دول الخليج هي السمة السائدة بين الأشقاء؛ فالدول الصغيرة- التي ظهرت بعد الانسحاب البريطاني من الخليج في الستينيات من القرن الماضي- تخاف من جيرانها، خاصةً الدول الكبيرة، وبالتالي تعتقد أنَّ الذي يوفر لها الحماية وجود قواعد أجنبية فيها؛ فهناك قواعد بريطانية وفرنسية وأمريكية مجتمعة في بعض تلك الدول الصغيرة، وربما يكون هناك مبرر لذلك؛ لكون أن هناك ثقافة السيطرة والتمدد على حساب جيران الجنب، كلما كانت هناك فرص لذلك. القوانين الدولية والجيرة تُجمَّد على الرفوف عند الحاجة منذ حرب البسوس إلى يومنا هذا، وعلى الرغم من الوجود الأجنبي إلّا أن دوره في الحماية غاب منذ الساعات الأولى للضربات الإيرانية التي استهدفت القواعد الأمريكية، ولم تكتفِ بضرب تلك القواعد؛ بل امتدت المسيرات والصواريخ إلى مختلف مفاصل دول الخليج كالموانئ والعمارات السكنية والمناطق الصناعية، في سابقة استثنائية على سكان المدن الزجاجية في عواصم الخليج العربي. كما إن أنظمة الحماية الأمريكية المتطورة المعروفة بالتقاط الصواريخ والمسيرات قبل وصولها إلى أهدافها، مثل أنظمة الدفاع الأمريكي "ثاد" و"باتريوت" وغيرها من الأنظمة المتطورة التي زودت بها إسرائيل مجانًا.

ثانيًا: يجب أن يدرك الجميع أن الذي يحمي الأوطان في دول الخليج هم أبناء دول مجلس التعاون أنفسهم، وليست القواعد والأساطيل الأجنبية الموجودة في المنطقة، فقد حان الوقت للتخلص من الوجود الأجنبي وتكاليفه المادية الباهظة. وبالفعل أكدنا غير مرة أنَّ استقرار المنطقة وتحقيق الأمن الخليجي الدائم مرهون بالاتحاد والعمل كمنظومة واحدة وجيش موحد، من خلال توسيع قوة درع الجزيرة في العدد والعدة وتكون النظرة جماعية كأمن خليجي لجميع الدول.

ثالثًا: التحدي الأهم يتمثل في كيفية إيجاد صناعات متطورة للأسلحة الدفاعية والهجومية للاعتماد على النفس؛ بل وحتى الحصول التكنولوجيا النووية لردع الأعداء؛ فعلى الرغم من امتلاكنا للإمكانيات المادية التي بالفعل يفترض أن تمكنا من تأهيل العلماء والخبراء في الشرق والغرب، إلّا أننا يجب أن نعترف بأنَّ أصحاب الإرادة الحقيقية هم جيراننا من الدول الأخرى مثل إيران التي نجحت في بناء منظومة عسكرية متقدمة تتكون من الصواريخ البالستية التي أرهبت الغرب وإسرائيل، والصواريخ الانشطارية التي نجحت في خلق توازن مع الكيان الصهيوني؛ حيث تحولت مدن فلسطين المحتلة إلى مدن أشباح بسبب القصف، كما أن الطائرات المسيرة الإيرانية تتفوق على مثيلاتها في العالم وكل ذلك صناعات محلية، بينما استطاعت باكستان الدخول للنادي النووي لتلحق بالدول الكبرى، وذلك بإرادة قيادتها التي وعدت بصنع القنبلة النووية وأوفت بذلك الوعد قبل عدة عقود، وهكذا نجحت الإرادة عند جيراننا، بينما كان تركيزنا في الخليج على بناء ناطحات السحاب الزجاجية وإقامة الملاهي والمدن الترفيهية التي هي الآن تحت النيران.      

لقد دفعت الحسابات الخاطئة للقيادة الأمريكية التي هي في الأساس خاضعة لإملاءات نتنياهو إلى خسائر مالية تقدر بنحو مليار دولار يوميًا حسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، فضلًا عن خسائر إسرائيل التي تُقدَّر بـ3 مليارات دولار خلال الأسبوع الأول من هذه الحرب، والأهم من ذلك كله ارتفاع أسعار الطاقة إلى أرقام قياسية؛ إذ تجاوز نفط عُمان حاجز الـ100 دولار في اليوم السابع للحرب؛ لكون الموانئ العُمانية الأربعة تقع خارج مضيق هرمز الذي أصبح في قبضة الحرس الثوري الإيراني.  

وفي الختام.. دائمًا هناك فرص تظهر وسط الكوارث والأزمات، فرسالتي الأولى لدول الخليج الامتناع عن الانضمام للحرب الصهيونية ضد إيران تحت أي ظرف، أما رسالتي الثانية للمسؤولين في سلطنة عُمان بمضاعفة الإنتاج في مجالي الطاقة الأحفورية: النفط والغاز، وذلك لسد النقص في الأسواق الدولية وكذلك تغطية العجز في موازنة 2026 والذي يقدر بأكثر من نصف مليار ريال عُماني.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z