فك الكربة.. قربة إلى الله

 

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

 

يقول الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام "من نفَّس عن مُؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة".

في لغتنا العربية البليغة يجيء "الفكُّ" لغةً واصطلاحًا كأنه زفرةُ ارتياحٍ بعد حبسِ نَفَس؛ وهو الإطلاقُ والتحرير وإزاحةُ القيد والألم عن صدرٍ من استبدَّ به الضيق، أما "الكُربة" فهي ما يشبه القيد الذي يلتف حول عنق من عاندته الظروف حتى تكاد تخنقه، وحين تجتمع الكلمتان في عبارة «فكّ كُربة»، فنحن هنا نتحدث عن إنقاذ حالة إنسانية بكل رحمة وأخوة وتكاتف لتعيد للروح وللإنسان كرامته التي هي أسمى وأغلى ما يملك.

​إن فك كربة حالة إنقاذ قد أمر الله عزوجل بها وحث عليها رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام فقال تعالى: "إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ" (الأعراف: 56)، والانقاذ هنا يكون من عتمة الزنزانة إلى نور الفضاء، ومن ضيق العوز إلى فسحة الكفاية فيحصل لمن فك كربة على الأجر العظيم ويصبح الفاعل المحسن قريب من رحمة الله.

​إنَّ تأمل هذه المفاهيم في توجيهات ديننا الحنيف يكشف لنا يقينًا أنَّ الأمر يتجاوز التبرع المادي بمعناه التقليدي؛ إنه مؤشرٌ حيّ على تعاون المجتمع ونضج وجدانه الجمعي، فكلما ارتفع منسوب الرحمة في القلوب، تمددت مساحات العدالة الاجتماعية بين الناس وتفسحت.

وفي مجتمعنا العُماني المتآزر حين يتعاون الخيرون من الناس مع نداء الضمير، تولد مبادرات تحمل سمات الانسان العُماني الرصين الصادق الكريم في تنفيذ توجيهات ربه ورسوله وبما يتفق مع أصالته التي لا تتبدل بتبدل الأزمان.

​وفي مجتمعنا العُماني الكريم تتجلى ملحمة فك الكرب من أصحاب الأيادي البيضاء والجمعيات والفرق الخيرية والتطوعية التي تعمل في صمتٍ بليغ، ومن أبرزها جمعية المحامين العُمانية بمبادرتهم الرحيمة "فك كربة" التي قدمت نموذجًا استثنائيًا مبادرة "فك كُربة" الإنسانية التي تطلقها جمعية المحامين العُمانية التي وصلت هذا العام لنسختها الثالثة عشر؛ وهي مشروع وطني سنوي يهدف إلى الإفراج عن المعسرين في السجون بسبب قضايا مالية (مدنية، تجارية، عمالية، شرعية)، عبر جمع التبرعات؛ حيث ساهمت في الإفراج عن أكثر من 8198 حالة منذ عام 2012، فالمحاماة بين أيديهم لم تعد مجرد مرافعةٍ في قاعات المحاكم، بل أضحت مرافعةً عن الإنسان يستحق الرحمة عبر الذود عن كرامته، لقد جعلوا من فكّ الكربة رسالةً مهنية مغلفةً بروح المسؤولية الوطنية.

​مبادرات فك الكرب أصبحت بعون المولى عز وجل لها داعمون كثر من أهل الخير والجمعيات المنتشرة في ربوع السلطنة و الفرق الخيرية والتطوعية بالولايات كل هؤلاء وغيرهم تتكامل وتتلاحم جهودهم في مشاهد تمتزج فيها الرحمة لتُثمر أثرًا إنسانيًا يحرر إخوانًا لهم من ضيقٍ قاهر هو في حقيقته ليس فك كربة انسان واحد؛ بل غالبًا ما تكون هناك أسرة تنتظر معيلها الذي يتم إطلاق سراحه فيصبح شاكرًا لله ممتنًا لمجتمعه؛ فالمجتمعات التي تداوي جراحها بنفسها وتحتوي أبنائها عند عثراتهم هي مجتمعات كريمة وسامية بأخلاقها القوية وبرحمتها.

​ختامًا.. دعوني أسجل تحية إجلال وتقدير لأهل الخير والعطاء والأيادي البيضاء كما سجل قبلي أخي الدكتور محمد بن إبراهيم الزدجالي ذلك في مقال له الأسبوع الفائت بجريدة الرؤية والتي حملت عنوان "فاعل خير لا يعرفه أحد من عشر سنوات" تتحدث عن الذين لا يحبون أن يعرفهم أحد وهم يقدمون العون بسخاء لإخوانهم، فنقول لهم أنتم الذين تكتبون سطور الضياء والأمل في سجل مجتمعاتنا وترممون انكسارات الحياة للمحتاجين بلمساتٍ رحيمة وحانية جزاكم الله خير أيها المحسنين.

قال تعالى في محكم التنزيل عن إخفاء الصدقة [إِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ] (البقرة: 271).

​فليحفظ الله عُمان، وليبارك في سعيِ كل مَن جعل من "فكّ الكربة" نهجًا وحياة، ولتبقَ هذه الأرض الطيبة كما عهدناها دائمًا وطنًا يُجيد صناعة الرجاء حين يضيق الأفق، وواحةً للخير الذي لا ينضب.

الأكثر قراءة

z