أنيسة الهوتية
في زوايا هذا الشرق المُتعب؛ حيث تتراكم الخيبات كما يتراكم الغبار على نوافذ البيوت القديمة، كانت سلطنة عُمان تمضي بجهود السلام بفكرةٍ واحدة: أنه ممكن. لم يكن الأمر بيانًا عابرًا، ولا صورةً تذكارية، بل مسارًا طويلًا من الاجتماعات المتواصلة، والرسائل الدقيقة، والقلوب التي تحاول أن تُبقي جذوة الأمل حيّة وسط رياحٍ لا تهدأ.
في قلب هذا المسار وقف معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، الرجل الذي يعمل بصمتٍ يشبه حكمة البحر؛ لا ضجيج، لا استعراض، بل جهدٌ تراكميّ لأيامٍ وأسابيع وشهور، لقاءات متتابعة، صياغات تُراجع، وضمانات تُناقش بندًا بندًا. كان الإيمان بسياسة عُمان واضحًا: أن الكلمة إذا أُعطيت صارت عهدًا، وأن العهد مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون ورقةً موقعة.
لكن حين يُنقَض عهدُ سلام، لا يسقط بندٌ في اتفاق فحسب؛ يسقط شيءٌ في داخلنا. الخيبة لا تأتي من اختلافٍ في الرأي، بل من كسر الكلمة بعد تثبيتها. وهنا يعود الذهن إلى صفحات التاريخ والقرآن، حيث يذكر الله تعالى وقائع نقض العهود في سياقاتٍ محددة، فيقول: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ (البقرة: 100)، ويقول أيضًا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ (النساء: 155).
اللفظ القرآني دقيق: فريقٌ منهم. لم يكن حكمًا مُطلقًا، بل وصف لأحداثٍ جرت حين غُلِّبت المصالح على المواثيق. وفي السيرة النبوية، وقعت أحداث سياسية مع قبائل يهودية في المدينة المنورة ضمن إطار "صحيفة المدينة"، مثل ما جرى مع بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة؛ حيث اعتُبر ما حدث نقضًا للعهد في ظرفٍ حربي معقد، وكانت نتائجه حاسمة وفق أعراف ذلك الزمان.
هذه الوقائع التاريخية تُستحضر لا للتعميم، بل للتذكير بخطورة نقض العهد. فالقرآن ذاته يضع ميزان العدل، فيقول: ﴿لَيْسُوا سَوَاءًۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (آل عمران: 113)، ويقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (آل عمران: 75).
وهكذا، يظل الدرس واضحًا: نقض العهود ليس صفة دائمة لأمة، بل اختبارٌ لأخلاق الأطراف والسياسة. وفي عالمنا المعاصر، كثيرًا ما تنهار اتفاقيات أو تفاهمات بسبب حسابات ضيقة أو مصالح آنية، فتخيب الآمال المبنية على شهور أو سنوات من الحوار والتفاوض. الخيبة أعمق حين يبذل الوسطاء جهودًا مضنية كما فعلت سلطنة عُمان، بقيادة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، للوساطة بصبر وشجاعة، لتسهيل حوار بين أطراف متباينة المصالح.
الدرس الذي نستخلصه ليس فقط عن خيبة الأمل؛ بل عن قيمة الوفاء بالعهود: أن تكون الكلمة مسؤولية أخلاقية، وأن يسعى الإنسان والحكومة على حد سواء لأن يكون التزامهما أمانة لا تُنقض بسهولة. فالوساطة الحقيقية تظل قيمة أخلاقية أعلى من كل التحديات، والقيم التي تستند إلى العدل والصبر والمصداقية هي ما يبني السلام ويترك أثرًا دائمًا، مهما تعثرت الجولات وانهارت الاتفاقيات العابرة. إلا أننا حين نتعامل مع من لا عهد لهم، ستصلب جهود السلام على مسامير الأمل.
