وتعود غريبًا

 

 

 

 

لا بُد من الاختلاط بالأقران في لعبة الحياة، واللعب بقواعدهم أو الأعراف المقبولة فيما بينكم

 

فاطمة الحارثي

تبتغي المكانة، منذ اليوم الأول لوجودك، تبدأ مع والديك، ثم المُقربين إليهم، تحاول جاهدا أن تصنع لنفسك مساحة تأثير، قبول، وهيمنة؛ الأمر فطري أكثر منه مُتعمدا، مع الوقت تبدأ بتضيق المساحة من حولك، رغم سعيك للإبقاء على أكبر عدد ممكن من المؤيدين والمعجبين بك "احتياطًا".

أذكر حوارًا بسيطًا أظهرت فيه زوينة ألمًا عميقًا، قالت لي وهي تبكي بحرقة: لقد خيرتني جدتي بين أمي وإخوتي من أبي. أجهشت بالبكاء بعد هذه الجملة وهي تقول: لكنني أحبهم جميعًا، غطت على وجهها "باليسوا" وانزوت في ظلمة الغرفة لتُكمل بكاءها. ومنذ اليوم التالي لهذه الحادثة والتي مر عليها أكثر من خمسة وعشرين عامًا، باتت تتجنبني في جميع اللقاءات، وكأنها كانت لحظة ضعف كشفت فيها عن أعظم أسرارها؛ إنه صراع المكانة عزيزي القارئ، الصراع بين الاستئثار بكل شيء للبقاء في القمة ومحبوبا في نفس الوقت، أي المعادلة الوردية المستحيلة، أو الخوف من وهم الزوال الاجتماعي.

يتبلور السعي نحو المنزلة، في نوع الجماعة التي تنتمي إليها، أو تعمل جاهدًا للانضمام لها؛ سواء عن طريق مشاركة أو تقليد اهتماماتهم، مثل الرياضة أو الدين أو الفساد، كيفما كان الميل العام لدى تلك الجماعة. وكما تعلم أنه ليس من الهين تشكيل جماعة بحسب مقاسك وشروطك، فلا بُد من الاختلاط بالأقران في لعبة الحياة، واللعب بقواعدهم أو الأعراف المقبولة فيما بينكم. وفي العادة لكل فرد منزلة معينة في الجماعة، ولا يعتمد ارتقاؤك على مهارتك، بل على مزاج الأعلى مكانة وتوافقه العاطفي معك، ومهما بذلت من جهد وأديت تبقى العاطفة هي الحاكم المطلق، والمثير للسخرية أن تجد الفرد في أعلى مكانة لدى جماعة ما. وفي ذات الوقت هو في أدنى درجات السلم في جماعة أخرى، فلعبة الحياة لم تكن محصورة يوماً بجماعة كخلية واحدة، بل هي مجموعات تتعايش وتتكامل، أو تتصارع مع بعضها البعض من أجل لعبة البقاء والارتقاء.

"الظَهر" بالعامية ويمثل السند هو، اللاعب الخفي في كل صراع؛ سواء كان الأب على سبيل المثال في الأسرة، فتجد الابن المحبوب هو صاحب السلطة، ويهابه الجميع حتى لو كان بدون إنجاز أو نفع، والابن غير المقرب، الجميع يتنمر عليه، ويعيش حياة لا تطاق، حتى لو كان هو القائم على مسؤوليات ودخل الأسرة؛ وهذا يُبرهن ليس مهماً ما تفعله من أجل الآخرين، ولا تكذب على نفسك، بأن البذل الذي تقدمه من أجل إرضاء نفسك وراحة ضميرك، كن واقعيا. والمهم أن تُحيط نفسك بمن يُحبك وليس شرطا أن تكون المشاعر متبادلة، وتستطيع أن تتوكأ عليه في السراء والضراء، فإن لم تجد فكن مع نفسك وتعلم ألا تأمن لأي مشاعر زائفة، تتقلب حسب الحاجة والظروف.

من وجهة نظري البسيطة، الإخلاص أهم من أية مشاعر أخرى، فهي بذور الولاء، التي تتجذر في كل سلوك صالح، بعيدا عن مشاكل الحب والغيرة، ومحاولات البعض لكسب الحب والمحبين، هو يأس واضح يُعيدك في أية لحظة غريبا كما كنت، ولا تخلطوا بين الإخلاص والحب، فالإخلاص موقف وسلوك ثبات، ووفاء، والتزام، وصدق في النية أي قرار أخلاقي ينبع من قيمك ومبادئك، واحترام الذات والمسؤولية أكثر منه شعورا، ويتعلق بكيف تتصرف لا فقط بما تشعر؛ والحب في المقابل حالة شعورية، انجذاب أو تعلق، قد يكون عاطفيا متقلبا أناني ومزاجي، يزيد وينقص أي إحساس قبل أن يكون موقفا.

عند الرغبة في الاستمرار والنجاح، أهم قاعدة هو عدم محاولة الاستحواذ على أي شيء، وعليك أن تمتلك الجاهزية للتخلي في أي وقت، لنيل المزيد والتغيير، وأحد أهم النقاط التي تُسهل عليك مسألة الاستمرار والشجاعة، الاعتقاد الجازم أن القادم أجمل كيفما كانت هيئته أو الرأي العام عنه، ولأهم هو انه لك لتعيشه أي خاص بك، لا سواك.

وإن طال...

لستَ زجاجًا يُكسر، ولا تمردًا يحتاج إلى ترويض؛ بل أنت العاجز أمام القيم والمبادئ والأخلاق الثابتة، والنقص الذي بين أضلعك هو ما يجعلك ترى الثبات عنادًا، والكرامة قسوة، والوضوح تحديًا؛ فحضور المبدأ يُعري هشاشة المساومات، ويجعلك تضيق بمن لا ينحني، لا لأنهم قُساة، بل لأنهم يذكرونك بما لم تستطع أن تكونه.

الأكثر قراءة

z