رمضان وصياغة الأولويات

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

شهر رمضان المبارك ليس مجرد شهر يقتصر على الامتناع من الطعام، بل هو بمثابة محطة سنوية كبرى أنعم الله بها علينا فيها وقفة تأملية عميقة لمراجعة علاقتنا بربنا وقرآننا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام ومجتمعنا والناس.

 من قام رمضان كما يحب ربنا ويرضى لا شك أنه سيحصد الكثير من المزايا الإيجابية فروحه ستكسب سكينة وطمأنينة، وجسده صحة وعافية، فشهر رمضان يساعد على إعادة برمجة الجسم بحيث تستطيع الروح تنقية نفسها من الشوائب التي لحقت بها خلال العام، بينما الجسم يتخلص من السموم التي تعلق به من خلال عادات أكل سيئة والنفس تكسب السكينة والهدوء وتتهذب أخلاقها بعد صراع مستمر خلال العام، هذا بالإضافة للكثير من المكاسب على المستوى الشخصي أو العلاقات العامة والخاصة.

 من آثار شهر رمضان الفضيل على المسلم فرصة الحصول على الأجور الكبيرة من مغفرة، وعتق من النيران، ورحمة الرحمن وهي مآثر عليا لا شك أن كل منَّا يسعى إليها قدر الإمكان، ومهما قيل في شهر رمضان المبارك لن نوفيه حقه لما فيه من فضائل ومزايا وعطايا لا تعد ولا تحصى.

​إنَّ أول ما يمنحه لنا شهر رمضان المبارك هو القدرة على إعادة صياغة الأولويات فبعد زحام الانشغالات اليومية خلال العام نبتعد أحيانًا بدون أن نشعر عن بعض الثوابت والأصول والأخلاقيات والقيم والمبادي التي أمرنا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بها، فتأتي أيام الصيام لتذكرنا بأنَّ النفس تحتاج إلى تهذيب ومراجعة، وهذه المراجعة الذاتية ضرورية لاستقامة المسلم.

فنجد أن هناك شباباً يقتطعون من وقت راحتهم فيقفون ساعات طويلة لتنظيم موائد الإفطار قبل الأذان وخدمة المصلين في المساجد.

هي أعمال قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في معناها العميق تعكس كيف يعيد رمضان تشكيل الحس الإنساني، ويوقظ في النفوس طاقة الخير الكامنة.

في هذا الشهر الفضيل يرتفع سقف الطموح الروحي؛ فتصبح قراءة القرآن رفيقًا دائمًا، وتتحول الأخلاق من مجرد شعارات إلى ممارسات حية في المجتمع وتتحرك كل مشاعر الخير الداخلية بالمسلم نحو الإنفاق والصدقة وحسن المعاملة والاجتهاد في العمل وترك العادات السيئة وهذه إحدى أسباب مجيء شهر رمضان المبارك.

يأتي رمضان، فتفرض علينا ساعات الصيام حالة من الصمت الداخلي، فيهدأ الجسد، وتخفّ ضوضاء العالم حولنا ومع تكرار التلاوة والدعاء، يكتشف المسلم أنَّ السكينة حالة تُبنى من الداخل.

​إن فضائل الأعمال في رمضان سلسلة متصلة لا تنقطع، تبدأ بامتناع الجوارح عن المفطرات وتصل ذروتها عند قيام الليل، حيث يتواصل العبد لفترة بعد صلاة العشاء وهي التي تمنحنا القوة لمواجهة قضايا النفس بقلوب أكثر ثباتًا وأكثر نقاءً.

​ختامًا.. يبقى رمضان هو المدرسة التي تعلمنا أن نستثمر في أرواحنا قبل أجسادنا وفي قلوبنا قبل جوارحنا.

الأكثر قراءة

z