حين يهدأ القلب يهدأ العالم

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتشابك فيه الضغوط، ويضيق فيه الصبر، يصبح الحديث عن السلام حاجة إنسانية لا ترفًا فكريًا، غير أن كثيرين يخطئون الطريق حين يبحثون عن السلام خارج أنفسهم، في هدوء المدن، أو في تغيّر الظروف، أو في تصرّفات الآخرين أو على الشواطئ أو بين الجبال وفي المنتزهات، بينما الحقيقة الأعمق تقول إنَّ السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، من تلك المساحة الخفية في القلب والعقل؛ حيث تتشكّل مشاعرنا وتولد ردود أفعالنا.

والسلام الداخلي هو أن تصالح قلبك قبل أن تطالب العالم بالهدوء، وأن تنظر إلى نفسك بصدق فتتقبّل ضعفك كما تحتفي بقوتك، وتعترف بأخطائك دون جلدٍ قاسٍ للذات، هو أن تتعلّم كيف تهدأ من الداخل حتى وإن ظلّ العالم من حولك صاخبًا، فليس الهدوء غياب المشكلات، بل القدرة على التعامل معها دون أن تسرق منك طمأنينتك، فحين يملك الإنسان سلامه الداخلي لا تعود العواصف الخارجية قادرة على اقتلاعه من جذوره، قد يحزن، قد يتألم، قد يغضب، لكنه لا ينكسر.

الكثير يعرف أن المشاعر السلبية جزء من التجربة الإنسانية، لا دليل فشل ولا علامة ضعف، فيتعلّم أن يمرّ بها بوعي لا أن يغرق فيها، وهذه الطمأنينة لا تأتي فجأة، بل تُبنى بالصبر وبممارسة الرضا، وبالتخفف من المقارنات التي تستنزف الروح. وأما السلام الخارجي؛ فهو الامتداد الطبيعي لهذا الصفاء الداخلي، فلا يمكن لإنسانٍ مضطرب من الداخل أن يصنع سلامًا حقيقيًا حوله، مهما تظاهر باللطف؛ فالتصرفات مرآة لما يسكن القلب، والكلمات انعكاس لما يدور في النفس، وعندما يهدأ الداخل يلين الخارج تلقائيًا، يصبح الاحترام أسلوبًا لا مجاملة، وتصبح الرحمة موقفًا ثابتًا لا رد فعل مؤقت.

السلام الخارجي يبدأ حين نتقبّل الاختلاف لا بوصفه تهديدًا بل بوصفه ثراءً إنسانيًا، حين نفهم أن الناس لا يرون الحياة بالمنظار ذاته، وأن لكل إنسان خلفية وتجربة تشكّل أفكاره ومواقفه، عندها نتعلّم أن نختلف دون خصام وأن نتحاور دون إقصاء، وأن نعبّر عن آرائنا دون أن نجرح الآخرين، وهذا النوع من السلام لا يُفرض بالقوة وإنما يُزرع بالوعي، وفي البيوت يظهر السلام الخارجي في كلمة طيبة وفي استماع حقيقي، وفي احتواء الخلاف قبل أن يتحوّل إلى صراع، وفي العمل يتجلّى في احترام الجهود وتقدير الاختلاف والابتعاد عن الصراعات الصغيرة التي تستنزف الطاقة، وفي المجتمع ينعكس في سلوكيات بسيطة ابتسامة، مساعدة، أو حتى صمت حكيم في موضع يحتاج إلى الهدوء لا الجدال.

السلام في جوهره ليس شعارًا يُرفع ولا أمنية تُردّد، ولكنه أسلوب حياة يُمارس يوميًا، يبدأ من لحظة تصالحك مع نفسك، ثم يمتد ليشمل من حولك، وحين يفهم الإنسان هذه المعادلة يدرك أنَّ تغيير العالم لا يبدأ بالصراخ إنما بالسكينة ولا يتحقق بالقوة، وإنما بالرحمة، فإن أردنا سلامًا خارجيًا يدوم فلنبدأ أولًا بترميم الداخل لأنَّ القلب حين يطمئن، يعلّم العالم من حوله كيف يكون أكثر هدوءًا وإنسانية.

الأكثر قراءة

z