صالح بن سعيد الحمداني
إذا رحل حلمٌ من بين يديك فلا تيأس؛ فربما يكون ذلك تمهيدًا لحلمٍ أجمل في الطريق، ففي لحظةٍ ما من حياة كل إنسان، يقف أمام حلمٍ كان يظنه أقرب إليه من نبضه، ثم يراه يتلاشى فجأة كسرابٍ كان يركض نحوه بثقة، قد يكون حلم وظيفةٍ انتظرها طويلًا، أو مشروعا بذل فيه الجهد والوقت، أو علاقة ظن أنها ستدوم أو حتى طموحًا شخصيًا رسم ملامحه منذ سنوات، حين يرحل الحلم يترك وراءه فراغًا مؤلمًا، وأسئلة لا تهدأ، وشعورًا قاسيًا بالفقد، لكن هل نهاية حلمٍ ما تعني نهاية الطريق؟ أم أنها بداية لمسارٍ لم نكن نراه؟
الواقع يقول إن خيبات الأمل ليست استثناءً في حياة البشر إنما هي جزء أصيل من التجربة الإنسانية، لا أحد يسير في الحياة بخطٍ مستقيم من النجاح المتواصل، فالتعثرات والانكسارات غالبًا ما تكون المحطات التي يُعاد فيها تشكيل الإنسان من الداخل، الحلم الذي يفلت من بين أيدينا قد يبدو في لحظته خسارة صافية، لكنه في كثير من الأحيان يكون رسالة خفية أن هذا الطريق لم يكن الأنسب، أو أن التوقيت لم يكن صحيحًا، أو أن في الأفق ما هو أوسع وأعمق مما تخيلناه، التاريخ مليء بقصص أشخاص انهارت أحلامهم الأولى لكنهم لم يسمحوا لذلك الانهيار أن يُسقطهم، كم من كاتبٍ رُفضت مخطوطاته مرارًا قبل أن يصبح اسمه خالدًا، وكم من رائد أعمالٍ فشل مشروعه الأول والثاني قبل أن ينجح نجاحًا غير متوقع، وكم من طالبٍ تعثر في تخصصٍ ما ليكتشف لاحقًا شغفه الحقيقي في مجالٍ آخر، هذه القصص لا تُروى للتسلية ولكنها لتؤكد حقيقة واحدة أن الأحلام لا تموت، إنما تتغير أشكالها، اليأس في لحظة ضياع الحلم يبدو رد فعلٍ طبيعيًا، لكنه ليس قدرًا محتومًا، المشكلة لا تكمن في سقوط الحلم بل في الاستسلام لفكرة أن السقوط نهاية كل شيء، التفاؤل هنا لا يعني تجاهل الألم أو إنكار الخسارة، إنما يعني الإيمان بأن ما حدث لم يكن عبثًا، فالتفاؤل هو أن تمنح نفسك حق الحزن، ثم تمنحها بعد ذلك فرصة النهوض، وإعادة النظر، والسؤال ماذا تعلمت؟ وأين يمكن أن أذهب الآن؟ في كثير من الأحيان لا ندرك جمال الحلم القادم لأننا ما زلنا متشبثين بصورة الحلم الذي رحل، نغضب لأن الحياة لم تسر وفق خطتنا وننسى أن الحياة أوسع من أي خطة، قد يأخذنا القدر إلى طرقٍ لم نكن نجرؤ على التفكير فيها لكنها تحمل لنا فرصًا لم نكن نحلم بها أصلًا، حلمٌ أجمل قد يكون أكثر انسجامًا مع قدراتنا أو أقرب إلى قيمنا، أو أكثر نضجًا مما كنا نريده في السابق.
التفاؤل الدائم لا يعني انتظار المعجزات دون عمل لكنه موقف داخلي يُترجم إلى سلوك، هو أن تواصل المحاولة وأن تطور نفسك، أن تفتح عينيك على احتمالات جديدة وأن تثق بأن الخطوة هي تلك التي بدت فاشلة قد تضيف لك شيئًا في حياتك لم تكن تراه، حين نؤمن بأن الخير قد يأتي من حيث لا نحتسب نصبح أكثر استعدادًا لالتقاط الفرص حين تظهر، في عالمٍ سريع الإيقاع مليء بالمقارنات والضغوط، يصبح فقدان الحلم أكثر قسوة، وسائل التواصل الاجتماعي تعرض لنا نسخًا مثالية من نجاحات الآخرين، فنشعر أن إخفاقنا مضاعف، لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن كل إنسان يسير في توقيته الخاص، وبقصته الفريدة، ما تأخر اليوم قد يأتي غدًا بصورةٍ أفضل وما لم يتحقق بالشكل الذي أردناه قد يتحقق بشكلٍ أعمق أثرًا، وما نسمع من قصص نجاح قد تكون واهية كبيت العنكبوت لا حقيقة لها بل من نسج الخيال... كل شيء وارد في هذه الحياة والزمن المعاصر لذا علينا بأنفسنا ومن نثق فيهم تمامًا لا قصص تُسرد وتُروى عبر الأثير، إذا رحل حلمٌ من بين يديك فلا تجعل ذلك الرحيل تعريفًا لك، أنت لست حلمك فقط بل قدرتك على الحلم من جديد، الحياة لا تُقاس بعدد الأحلام التي تحققت ولكن بقدرتنا على النهوض كل مرة، وبشجاعتنا في أن نؤمن بأن القادم يستحق الانتظار، كن متفائلًا دائمًا ليس لأن الطريق سهل إنما لأن التفاؤل هو النور الذي يجعلنا نرى الطريق حتى في أحلك لحظاته.
