فايزة سويلم الكلبانية
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتعثر مساعي الحوار، تبرز شخصيات دبلوماسية تحمل على عاتقها مسؤوليةً صعبةً؛ أن تبقي أبواب التفاهم مفتوحة في وجه احتمالات التصعيد، ومن بين هذه الشخصيات يتجلى اسم معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي وزير الخارجية، والذي يُمثل اليوم الصوت الهادئ لسلطنة عُمان في المحافل الدولية، والصورة المشرقة لنهجها السياسي الذي اختار الحكمة طريقًا، والسلام هدفًا ثابتًا، وذلك بتوجيهات سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه، راعي السلام والاستقرار في هذا الإقليم.
ولطالما عُرفت سلطنة عُمان بسياسة خارجية راسخة ومتوازنة ترتكز على نهج "الحياد الإيجابي"، وبناء الجسور بين الأطراف، دون انحياز إلى أي من محاور الصراع. وفي هذا السياق، جاءت الجهود العُمانية الأخيرة في تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وقت بلغ فيه التوتر الإقليمي مستويات دقيقة. فقد استضافت سلطنة عُمان جولات محادثات غير مباشرة بين الجانبين، وسعت إلى خلق مساحة آمنة للحوار بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والسياسية، بهدف الوصول إلى تفاهمات تخفف من احتمالات المواجهة العسكرية.
وفي مدينة جنيف بسويسرا، واصل معالي السيد وزير الخارجية دوره الفاعل من خلال لقائه مع وزير الخارجية الإيراني الدكتور سيد عباس عراقجي؛ لمناقشة التحضيرات لجولة جديدة من المباحثات الإيرانية الأمريكية. وقد أكد الطرفان خلال اللقاء أهمية ترجيح فرص التفاهم، بما يعزز إمكانية الوصول إلى اتفاق يلبي تطلعات جميع الأطراف، في مشهد يعكس ثقة دولية متزايدة بالدور العُماني كوسيط نزيه يسعى إلى تجنيب المنطقة ويلات الحروب.
إنَّ ما يميز الدبلوماسية العُمانية ليس فقط قدرتها على جمع الخصوم حول طاولة الحوار؛ بل ثباتها على مبدأ أن السلام المستدام لا يُفرض بالقوة؛ بل يُبنى بالصبر والاحترام المتبادل. وقد تجسّد هذا النهج في أدوار سابقة لعبتها السلطنة؛ سواء في تسهيل محادثات دولية حساسة، أو في الوساطة في ملفات إنسانية معقدة، وصولًا إلى إسهامها في تهدئة بؤر توتر إقليمية عبر الحوار المباشر وغير المباشر.
وفي كل مرة، تتجدد صورة سلطنة عُمان كدولةٍ تؤمن بأن الاستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة، وأن أمن الشعوب لا يتحقق إلّا بتغليب لغة العقل على لغة التصعيد. وفي قلب هذه المعادلة، يقف معالي السيد بدر البوسعيدي، بهدوئه المعروف وخطابه المتزن، حاملًا رسالة بلاده التي تقوم على احترام سيادة الدول، والانفتاح على الجميع، والعمل بعيدًا عن الضجيج لصناعة نتائج ملموسة.
إنَّ تحية رجل السلام اليوم ليست مجرد إشادة بدور فرد؛ بل تقدير لمدرسة دبلوماسية عُمانية مُتجذِّرة، أثبتت أنَّ القوة الحقيقية قد تكمُن في القدرة على الاستماع، وفي الإيمان العميق بأنَّ الحوار هو الطريق الأقصر لتجنيب المنطقة مزيدًا من الأزمات. وبينما يترقب العالم نتائج المفاوضات الجارية، تبقى عُمان حاضرة بثقة، تؤدي دورها بروح المسؤولية، مدركة أنَّ السلام ليس حدثًا عابرًا، بل مسار طويل يحتاج إلى رجال يؤمنون به حتى النهاية.
ولعل أجمل ما يقال في هذا المقام، أن السياسة الخارجية العُمانية لا تسعى إلى تسجيل انتصارات دبلوماسية عابرة، بقدر ما تسعى إلى حماية الإنسان وصون مستقبل المنطقة، وهنا تتجسد قيمة الجهود التي يبذلها معالي السيد وزير الخارجية؛ بوصفها امتدادًا لنهجٍ راسخ جعل من السلطنة واحة تلاقٍ في عالم متوتر، ورسالة أمل بأن السلام ما زال ممكنًا… حين تتوافر الإرادة الصادقة، والنية المخلصة، والدبلوماسية الحكيمة.
