هل نكتب لأنهم يسمعون أم لأنهم لا يريدون أن يسمعوا؟

 

 

سُلطان اليحيائي

 

نحن أحيانًا نستقبل الكلمات بسطحها ونختبرها قبل أن نفهمها وكأنَّ المظهر أسبق من الجوهر.

مثلما رُوي عن الإمام الشافعي أنه كان جالسًا وقد مدّ رجليه فدخل عليه رجل حسن الهيئة نظيف الثياب فاستوى الشافعي وجلس جلسة الأدب إعظامًا لهيئته. قال الرجل ما تقول أيها الإمام في رجل مات وترك أبًا وأمًّا وزوجةً وأخًا؟

قال الشافعي ترك ستةً وثلاثين درهمًا.

قال الرجل لم أذكر أنَّه ترك مالًا.

فقال الشافعي الأخ محجوب بالأب فليس له شيء والباقي ستة وثلاثون. عندها عرف الإمام من سؤاله ضعف فهمه فمدّ رجليه وقال: "آن للشافعي أن يمدّ رجليه".

هكذا تُستقبل الكلمة أحيانًا بوقار ظاهري ثم تُختبر بسؤال ناقص الفهم. يُطلَق الحكم قبل إدراك الأصل ويتهيّأ البعض للنقد قبل أن يتأهّل للفهم. فإن وافقته ابتسم وإن خالفته شدّد عليك. وكم من صوت صادق خَفَتَ أثره لأنه لم يُقرأ بعين منصفة.

لكن من أراد الحقيقة رأى ما وراء الواجهة وفهم أن قوة الكلمة ليست فيمن يسمعها بل فيمن يقرأها بعقل متفتّح. وهذا ما يضيء الطريق ويحوّل الكلام من صوت عابر إلى رسالة تُحفَر في الوعي.

لسنا هواة إثارة ولا عشّاق منصّات. نكتب لأن في الوطن ما يستحق أن يُقال ولأن المواطن حين يضيق صدره لا يجد إلا الكلمة سبيلًا. نكتب لأن الصمت الطويل يُفسد الهواء العام ولأنَّ السكوت عن الخلل لا يصنع استقرارًا؛ بل يُؤجّل المواجهة.

لكن السؤال الذي يتقدّم الصفوف: هل النقد الصادق يحظى بعين تقرأه بجدّية أم يُوضَع في خانة التنفيس؟ وهل نحن أمام حكومة تتعامل مع النقد رافعة إصلاح أم صراخًا يُحتوَى؟

إدارة التوازن أم صناعة الوهم

في كل مرة يرتفع صوت ناقد يظهر صوت مضاد يهوّن أو يشكّك أو يُخوّف من العواقب. يتحوّل النقاش من جوهر القضية إلى صراع مؤيد ومعارض. تضيع الفكرة ويشتعل الجدل. هل هذا عفوي أم مقصود؟ عندما يُترك المجتمع يتجادل بلا نتيجة يتعب الناس ومع التعب ينخفض سقف التوقعات ويصبح الحد الأدنى إنجازًا يُحتفى به. المنطقة الرمادية أخطر من القرار الخاطئ فالقرار الواضح يُناقَش ويُعدّل أما الغموض فيُرهق الأعصاب ويُبقي الباب نصف مفتوح.

اللقاء للطمأنة يخرج أحيانًا بالتنبؤ القَلِق

من المشاهد التي تستحق التوقف لقاءات تُدار تحت عنوان "معًا نتقدّم". يتحدث المسؤول بثقة ويعرض خططًا وأرقامًا والناس تنصت انتظارًا لكلمة توضّح الطريق. لكن ما إن ينتهي اللقاء حتى تخرج تصريحات جانبية فتشتعل المنصّات ويبدأ الشارع في التأويل. هنا يتولّد السؤال: هل الرسالة موحّدة فعلًا؟ وهل تُقدَّر آثار الكلمات قبل إطلاقها؟

 

الناس لا تخاف من القرار الواضح؛ بل من الإشارات المربكة. إذا كان الشعار "معًا نتقدّم" فالتقدّم يبدأ بكلمة مطمئنة لا مُقلِقة.

هل هناك من يُفرّغ النقد من أثره؟

ليس بالضرورة مخططاً مكتملاً لكن هناك من يُحسن استثمار الوهم. من يحوّل النقد من سؤال مشروع إلى معركة نوايا. من ينقل النقاش من "ماذا نفعل؟"

إلى "من أنتم حتى تسألوا؟"

تُستبدل الحجة بالتشكيك والفكرة بتصنيف صاحبها. لا يُقمَع الصوت بل يُستنزَف. لا يُمنَع النقد بل يُفرَّغ من أثره.

بين متضادين نفاق أم اتفاق؟

يقف صاحب القلم أمام خيارين: مادح دائم يكسب القبول ويخسر نفسه، أو صراخ بلا أثر يحافظ على الضمير ويخسر التأثير.

لكن الطريق الثالث موجود وإن كان أصعب: نقد مبني على حقائق، أرقام لا شعارات، رؤية إصلاح لا رغبة إثارة. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على إسكات الأصوات الصادقة بل على سماعها.

كلمة إلى الضمير

إلى المسؤول من أعلى الهرم نزولًا يمكن إدارة الجدل وتأجيل القرارات لكن لا يمكن إدارة الضمير. سيأتي وقت تُسأل فيه: هل أنصتَّ للناقد المخلص؟ هل انحزت للمصلحة العامة أم لراحة اللحظة؟

المنصب عابر والأثر باقٍ. لسنا خصومًا ولا طلاب إثارة؛ بل شركاء في حمل الأمانة. إذن أصغِ للنقد وتحوّل إلى قرار رشيد يكبر الوطن ويكبر معه من أنصت له. وإذا أُجِّل أو تُجاهل تبقى الكلمة شاهدًا لا خصمًا ودليلًا لا إدانة.

المواقع تتبدّل أما المواقف فتبقى والضمير لا ينسى من اختار الإصلاح عندما كان ممكنًا والأثر الحقيقي يظل في الوعي راسخًا بعد زوال كل الشعارات والمناصب.

 

 

الأكثر قراءة

z