خالد بن حمد الرواحي
في الجسد البشري هرمون يُسمّى «الأوكسيتوسين»؛ يُفرَز حين يشعر الإنسان بالأمان والثقة والاحتواء. يُعرَف أحيانًا بهرمون العناق، لكنه في جوهره أعمق من مجرد تلامسٍ جسدي؛ إنه كيمياءُ طمأنينةٍ تُخفّف التوتر، وتُقرّب المسافات، وتمنح الإنسان استعدادًا أصدق للعطاء.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرَح خارج المختبرات هذه المرة: هل يمكن أن توجد «كيمياء» مشابهة داخل بيئة العمل، تُفرِزها القيادة في فرقها دون عناقٍ أو لمس، بل بتلامسٍ معنوي يمسّ الشعور قبل اليد؟
في بيئات العمل، لا يُطلب من الموظفين أن يتعانقوا، ولا أن يُظهروا عاطفةً علنية، لكنهم يبحثون عن ذلك الشعور ذاته: الأمان. فالموظف لا ينهكه حجم المهام بقدر ما يرهقه شعوره بأنه وحده، تحت مجهرٍ دائم، أو في مساحةٍ لا يُسمح فيها بالخطأ إلا مرة واحدة. وحين يغيب الأمان، يتحوّل الجهد إلى استنزاف، ويصبح الالتزام عبئًا، ويُؤدَّى العمل لأن عليه أن يُؤدَّى… لا لأنه يُراد له أن يُنجَز.
غير أن المشهد يتغيّر تمامًا حين يقود الفريق قائدٌ يُنصت قبل أن يُحاسِب، ويُفسِّر قبل أن يُدين، ويمنح الثقة قبل أن يطلب الكمال. هنا لا يحدث تلامسٌ جسدي، بل ما هو أعمق: تلامسٌ معنوي يمسّ الكرامة ويعترف بالقيمة. في تلك اللحظة تنشأ صلة مختلفة بين الإنسان وعمله؛ صلة لا تقوم على الخوف من الخطأ، بل على الرغبة في الإسهام. وكأن شيئًا داخليًا يهدأ… ثم ينهض بطاقةٍ أعلى.
ليس كل عملٍ سهلًا، ولا كل مسؤوليةٍ خفيفة. في كثيرٍ من المؤسسات يتعب الناس فعلًا، ويسهرون، ويواجهون ضغوطًا حقيقية. لكن الفرق بين فريقٍ ينهار تحت الضغط وآخر يبدع داخله، لا يكمن دائمًا في حجم العبء، بل في طبيعة الرابط الذي يجمعه ببيئته وقائده. حين يشعر الموظف أنه جزءٌ من المعنى لا مجرد رقمٍ في الهيكل، يتحوّل الجهد إلى قيمة، ويغدو التعب إنجازًا. وحتى الألم — إن وُجد — لا يعود مؤلمًا بالمعنى ذاته، بل يصبح أقرب إلى ذلك الألم الذي يرافق النمو… مُرهقًا، لكنه مُرضٍ.
لذلك، ليست القيادة إدارة مهام بقدر ما هي صناعةُ مناخٍ يشعر فيه الإنسان أن صوته مسموع، وأن خطأه لا يُلغيه، وأن جهده يُرى حتى إن لم يُصفَّق له علنًا. في هذا المناخ تتكوّن تلك «الكيمياء» التي لا تُكتب في اللوائح، ولا تُدرَّس في الدورات، لكنها تُحسّ بوضوح في الفرق الناجحة. فرقٌ تعمل بانسجام، لا لأن أحدًا يراقبها طوال الوقت، بل لأن الرابط بينها أقوى من الخوف، وأعمق من التعليمات.
ربما لا تستطيع المؤسسات قياس هذه الكيمياء في تقارير الأداء أو إدراجها ضمن مؤشرات الإنجاز، لكنها تظهر بوضوح في ملامح الفرق التي تعمل بثقة، وفي العيون التي لا تخشى المحاولة، وفي المبادرات التي تولد دون انتظار أمرٍ رسمي. فرقٌ تُدار باللوائح، وأخرى تُدار بالعلاقة؛ الأولى تنجز ما طُلِب منها، والثانية تتجاوز المطلوب.
وفي النهاية، قد لا يكون سرّ القيادة في كثرة القرارات أو صرامة التعليمات، بل في قدرتها على أن تُفرِز داخل فريقها ما يجعل العمل اختيارًا لا اضطرارًا، وانتماءً لا التزامًا فحسب. فالقائد لا يُدير مهامًا فقط؛ بل يُعيد تشكيل شعور الناس تجاه ما يفعلونه كل يوم.
