جبال ظفار.. القيمة الوطنية واستدامة الهوية

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

جبال ظفار أرض وهوية تشكّلتا عبر الزمن، وحمايتها اليوم مسؤولية وطنية ترتبط بصون نمط حياة متكامل وعلاقة متجذّرة بين الإنسان والمكان.

ذلك أن تلك الجبال الشماء والعزيزة على كل الوطنيين الغيورين، هي واحدة من أكثر المناطق تميّزًا في سلطنة عُمان، ليس فقط بطبيعتها الخضراء ومناخها الموسمي، بل أيضًا، وهذا هو الأهم، بنمط الحياة الذي تشكّل فيها عبر قرون من التفاعل المتوازن بين الإنسان والأرض، والذي صاغ ثقافتها وإرثها وهويتها المتفردة. فقد قامت هذه العلاقة على الرعي، والاستقرار التقليدي، والتكيّف مع الطبيعة دون إخضاعها أو استنزافها، ما جعل الجبل فضاءً إنسانيًا وبيئيًا حيًّا، له خصوصيته الاجتماعية والثقافية، ويعبّر عن جزء أصيل من الهوية الوطنية. غير أن هذه الخصوصية باتت اليوم أمام تحديات حقيقية، لا بسبب وجود السكان أو ممارساتهم المتوارثة، بل نتيجة إخضاع الجبل لأطر تنظيمية لا تنسجم مع طبيعته، وضعف الإدارة المخصصة له، وما ترتّب على ذلك من اختلالات متراكمة.

خلال السنوات الماضية، بدأت تظهر في جبال ظفار ممارسات متفرقة من البناء غير المنظم، ووضع اليد على الأراضي، والتوسع خارج الاحتياج الفعلي، وهي ممارسات لا تعبّر عن نمط الحياة الجبلية البسيطة والقنوعة، المحبة للمكان والمدافعة عن أي عبث أو تعدٍّ عليه، بقدر ما تعكس فراغًا تنظيميًا وقلقًا مشروعًا لدى السكان من مستقبل الأرض وحقوقهم فيها. هذا الفراغ خلق حالة من الضبابية: سكان يقيمون تاريخيًا في الجبل دون وضع واضح، وإدارة محدودة الصلاحيات، ومخاوف متزايدة من أن يتحول الجبل تدريجيًا إلى امتداد عمراني فاقد لخصوصيته، على غرار ما آلت إليه مساحات واسعة من السهل.

إن الإشكال الحقيقي في جبال ظفار لا يكمن في السكان ولا في الرعي ولا في الاستقرار التقليدي، بل في محاولة التعامل مع الجبل بوصفه مساحة قابلة للتطبيق عليها نفس القوانين والنماذج التخطيطية الحضرية؛ فالجبل ليس حيًّا سكنيًا بالمعنى المتعارف عليه، ولا أرضًا معدّة للتوسع العمراني المفتوح، بل نظام متكامل تشكّل عبر الزمن، وأي اختلال في أحد عناصره ينعكس مباشرة على بقية المكونات البيئية والاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول أراضي جبال ظفار يجب أن ينطلق من فهم الجبل كقيمة وطنية، لا كمجرد نطاق جغرافي. فقيمته لا تُقاس بما يمكن إضافته إليه أو استثماره فيه، بل بما يمثّله وهو على حاله: مساحة توازن نادرة بين الإنسان والطبيعة، ونمط عيش حافظ على الأرض بدل أن يستهلكها. وفي هذا السياق، فإن ما يتمتع به الجبل من حضور في الوعي العام، وما يحمله من جاذبية طبيعية وثقافية، هو نتيجة مباشرة لبقائه محافظًا على هذا التوازن، لا مدخلًا لإعادة تشكيله أو تغيير وظائفه. إن إدراك هذه القيمة يعزز من ضرورة الحماية، ويجعل الحفاظ على الجبل مصلحة وطنية تتجاوز سكانه إلى المجتمع ككل.

لذا.. لا تُطرح السياحة بوصفها هدفًا قائمًا بذاته أو مبررًا لإعادة توظيف الأرض، بل باعتبارها توصيفًا لقيمة قائمة بالفعل. فالجبل يُقدَّر ويُزار ويُحتفى به لأنه بقي كما هو، لا لأنه خضع للتغيير. وإدراج هذا البعد في النقاش الوطني لا يعني فتح الباب أمام أنماط جديدة من الاستخدام، بل يؤكد أن أي مساس بطبيعة الجبل ونمط حياته من شأنه أن يُفقده جوهره، ويقوّض الأسباب التي جعلته موضع اهتمام وتقدير. وبهذا المعنى، تصبح القيمة السياحية عامل وعي وحماية، لا أداة ضغط أو توسّع.

وانطلاقًا من هذا الفهم، تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية واضحة لتنظيم أراضي جبال ظفار، تقوم على حماية الأرض من التدهور العمراني والبيئي، وتثبيت السكان الأصليين، ومنع تحويل الأرض إلى سلعة أو مجال للمضاربة. فالأراضي الرعوية يجب أن تبقى فضاءً مشتركًا منظمًا، يخدم الرعي المستدام ويحافظ على الغطاء النباتي، ولا يتحول إلى ملكيات فردية أو مساحات بناء. وفي المقابل، يُنظَّم السكن ضمن نطاقات محدودة وواضحة، بكثافة منخفضة، وبناء منسجم مع طبيعة المكان، دون فتح الباب للتوسع العشوائي أو التمدد غير المحسوب.

وفي هذا الإطار، يُناط الإشراف على هذه السياسات وتنفيذها بأطر إدارية محلية متخصصة، تُشكَّل على هيئة لجان محلية دائمة، تضم ممثلين عن السلطة المحلية في المحافظة، وأصحاب خبرة في الجوانب البيئية والاجتماعية، وممثلين عن سكان الجبل. وتعمل هذه اللجان وفق ضوابط واشتراطات خاصة تراعي خصوصية جبال ظفار كنظام بيئي واجتماعي متكامل، وتكون مسؤولة عن تنظيم السكن، وضبط استخدامات الأرض، وحماية الأراضي الرعوية، ومتابعة أي ممارسات قد تُخلّ بالتوازن القائم. ويأتي هذا التنظيم بعيدًا عن إخضاع أراضي الجبل للأطر المرتبطة بالتخطيط العمراني والإسكان، باعتبار أن طبيعة هذه الأراضي ووظيفتها التاريخية لا تنسجم مع نماذج الإسكان الحضري أو سياسات التوسع العمراني، وبما يضمن إدارة واعية ومباشرة تنطلق من فهم عميق لطبيعة الجبل وتحميه من القرارات العامة أو المركزية التي لا تراعي خصوصيته.

كما إن تثبيت السكان في الجبل لا يعني بالضرورة نقل نماذج التمليك المطلقة، بل يمكن تحقيق الاستقرار عبر صيغ تضمن حق العيش والاستخدام المسؤول، وتحافظ في الوقت ذاته على الأرض كأصل وطني محمي من التداول التجاري. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في منح الأرض بقدر ما يكمن في الحفاظ على العلاقة التاريخية بين الإنسان والمكان، ومنع تحولها إلى علاقة استهلاك أو استحواذ.

أما ما هو قائم اليوم من مساكن أو تجاوزات، فلا يمكن التعامل معه بمنطق واحد أو حلول جذرية قاسية، والمعالجة العادلة تقتضي التمييز، والإنصاف دون مكافأة المخالفة، والحزم دون الإضرار بالنسيج الاجتماعي، بهدف تصحيح المسار وإغلاق باب الفوضى مستقبلًا، لا إعادة إنتاجها بأشكال جديدة.

إنَّ الحفاظ على جبال ظفار مسؤولية وطنية تتجاوز البعد المحلي، لأنها تمس البيئة، والهوية، وصورة المكان في الوعي العام، وحقوق الأجيال القادمة. وأي مقاربة ناجحة لا بد أن تقوم على شراكة حقيقية بين الدولة وسكان الجبل، وعلى إدارة واعية ومختصة تفهم خصوصية المكان، وتعمل بخطوات تدريجية ومتوازنة، بعيدًا عن الحلول السريعة أو النماذج الجاهزة.

وفي النهاية، يبقى الرهان على أن تتحول هذه النقاشات إلى مسار وطني ناضج يوازن بين الاستقرار والتنظيم، وبين التنمية والحماية، بحيث تبقى جبال ظفار حيّة كما كانت: أرضًا للرعي والسكن، وقيمة وطنية جامعة، وفضاءً إنسانيًا وطبيعيًا لا يُعاد تشكيله، بل يُصان ويُحفظ ويُورَّث.

الأكثر قراءة

z