الهوية في زمن المنصات الرقمية

 

 

 

د. أحمد بن علي المرهون

 

أصبحت المنصات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية ولم تعد مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه. هذا الحضور الكثيف أعاد تشكيل طريقة تفكير الأفراد بأنفسهم وطريقة عرضهم لهويتهم أمام الآخرين، وجعل الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة للتأثير المتبادل بين الفرد والمجتمع.

 

في العالم الرقمي يملك الإنسان حرية واسعة في التعبير عن ذاته. يستطيع أن يشارك أفكاره واهتماماته وتجربته الشخصية بسهولة وسرعة. هذه الحرية ساعدت الكثيرين على اكتشاف مواهبهم وبناء حضور إيجابي والتواصل مع أشخاص يشتركون معهم في الاهتمامات نفسها. في المقابل قد تدفع هذه المساحة المفتوحة بعض الأفراد إلى تشكيل صورة مثالية لا تعكس واقعهم الحقيقي، سعيًا للقبول أو التفاعل أو الشهرة.

 

المنصات الرقمية غيَّرت مفهوم الهوية الاجتماعية. لم يعد الانتماء محصورًا في المكان أو البيئة القريبة وأصبح الفرد جزءًا من مجتمعات رقمية عابرة للحدود. هذا التوسع ساهم في تبادل الثقافات وتوسيع المدارك، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى ذوبان الخصوصية الثقافية إذا لم يكن هناك وعي يحفظ التوازن بين التأثر والتأثير. كما أثرت هذه المنصات على اللغة والسلوك اليومي. أصبحت اللغة أكثر اختصارًا وردود الفعل أسرع والانطباعات تُبنى خلال ثوانٍ. هذا الإيقاع السريع قد يضعف أحيانًا عمق الحوار ويجعل الهوية الرقمية قائمة على الصورة واللحظة أكثر من الجوهر والاستمرارية. ومع الوقت قد تتسع الفجوة بين ما يظهره الفرد رقميًا وما يعيشه واقعيًا.

 

ومن التحديات الواضحة أيضًا تأثير المقارنة المستمرة. ومتابعة حياة الآخرين وإنجازاتهم وصورهم المنتقاة قد تخلق شعورًا بالضغط أو عدم الرضا عن الذات. هذا التأثير النفسي ينعكس مباشرة على شعور الفرد بهويته وقيمته الذاتية، خاصة لدى الفئات الأصغر سنًا.

 

رغم هذه التحديات، لا يمكن النظر إلى المنصات الرقمية بوصفها تهديدًا مباشرًا للهوية. الخطر لا يكمن في التقنية نفسها وإنما في غياب الوعي بأسلوب الاستخدام. التعامل الواعي مع المحتوى والقدرة على التمييز بين الواقع والصورة المعروضة والحفاظ على القيم الشخصية، كلها عناصر تساعد على حماية الهوية وتعزيزها.

 

لا تعد الهوية في زمن المنصات الرقمية ثابتة ولا مهددة بالضرورة، لكنها في حالة تشكل مستمر. الحفاظ عليها يتطلب توازنًا بين الحضور الرقمي والانتماء الواقعي وبين الانفتاح على العالم والتمسك بالجذور، حتى يبقى الإنسان حاضرًا بذاته لا بصورة يصنعها للآخرين فقط.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z