الإسكان الريفي في جبال ظفار

 

 

 

سعيد بن بخيت غفرم

s.ghafarm@gmail.com

 

الإسكان الريفي في جبال محافظة ظفار ليس مجرد إجراء إداري يمكن نقله من جهة إلى أخرى؛ بل قضية تمس حياة السكان اليومية واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي؛ فالأرض في هذه المناطق ليست مساحة للبناء فحسب، بل مصدر رزق وهوية متجذرة، تربط الإنسان بالمكان بعلاقة تاريخية عميقة.

وقد أثار طرح إخضاع الإسكان الريفي للتخطيط المركزي قلق سكان الأرياف، لا رفضًا للتطوير، وإنما خشية من أن تؤدي المشاريع العمرانية إلى تقليص المساحات الطبيعية التي تعتمد عليها تربية المواشي كمصدر دخل رئيسي. ففي البيئة الجبلية، أي تضييق على المرعى ينعكس مباشرة على الاستقرار المعيشي للأسر.

سكان المناطق الجبلية لا يقفون ضد التنمية؛ بل يطالبون بإدارة متوازنة للسكن تحفظ حقوقهم وتحمي أراضيهم وعاداتهم المرتبطة بالرعي؛ فالتنمية الحقيقية تنطلق من فهم الواقع المحلي واحتياجات الأهالي، لا من فرض حلول جاهزة بعيدة عن خصوصية المكان.

ومن هذا المنطلق، تبرُز أهمية وجود جهة محلية قريبة من المواطنين تتولى الإشراف والمتابعة. ويُقترح أن تضطلع جهة رقابية من مكتب المحافظ، بمشاركة المجتمع المحلي، بمسؤولية تنظيم الإسكان الريفي ومحاسبة أي تجاوزات غير قانونية. ويسهم هذا التوجه في الحد من العشوائيات، وضمان عدالة توزيع الأراضي، ومنح كل مُستحِق قطعة مناسبة ضمن نطاق أسرته، مع الإبقاء على مساحات كافية للرعي واستمرار مصادر الدخل، خاصةً بعد إلغاء النيابات الإدارية في الشريط الجبلي.

ويظل التساؤل الجوهري حاضرًا: إذا طُبِّقت الخطط العمرانية في الجبال، فهل ستوفر الجهات المعنية الدعم اللازم للأسر التي تعتمد على تربية المواشي في المناطق المخططة؟ إذ تمثل هذه المهنة عماد رزق شريحة واسعة من السكان، وتتطلب أعباء مالية مرتفعة تشمل الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية، خصوصًا بعد انتهاء مواسم الرعي في الأودية والهضاب. وغياب الدعم قد يضع كثيرين أمام صعوبات تهدد استمرارهم المعيشي.

كما أن تطويق المساحات الخضراء بالبناء أو التوسع الحضري قد يفقد الجبال جمالها الطبيعي ورونقها المميز، ويؤثر على جاذبيتها البيئية والسياحية. إضافة إلى ذلك، فإن بيع المخططات السكنية مستقبلاً لأشخاص لا يراعون خصوصية السكن الريفي وطبيعته المتفردة قد يخل بالتوازن بين التنمية والحياة المحلية، ويضعف هوية الأرياف.

ولا يعني التطوير العمراني إيقاف التقدم، بل توجيهه بعدالة وحكمة؛ فجبال ظفار ليست مناطق مهجورة، بل بيئة جبلية حيوية ذات توازن بيئي واجتماعي دقيق، وأي توسع غير مدروس قد يترك آثارًا طويلة المدى على الإنسان والطبيعة معًا.

ويمكن تعزيز التنمية الريفية عبر برامج تدريبية وتوعوية تسهم في تحسين إنتاجية المواشي واستدامة الموارد الطبيعية. كما أن إشراك الشباب والمرأة في إدارة المشاريع الريفية يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويضمن انسجام التطورات العمرانية مع احتياجات المجتمع المحلي ومتطلبات الحفاظ على البيئة.

لذلك، يتعين أن تبقى شؤون الإسكان الريفي تحت إشراف مكتب محافظ ظفار، بوصفه الجهة الأقدر على فهم خصوصية الحياة الجبلية ومتطلبات الرعي، وتنظيم مواقع السكن والخدمات العامة، ومحاسبة من يتعدى على الأراضي دون وجه حق؛ إذ لا يستقيم الحديث عن خصوصية الإسكان الريفي في ظل امتلاك الشخص الواحد عدة مواقع في مناطق متفرقة، جرى الحصول عليها بالمحسوبية أو عبر ممارسات استحواذ غير قانونية، بينما يُحرم مستحقون آخرون من حقهم المشروع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قوانين صارمة تحد من العشوائيات السابقة، وتحفظ الأراضي من الاستغلال، وتكرس مبدأ الاكتفاء بالسكن ضمن نطاق الأسرة والأقارب.

ولا شك أن استمرار الإدارة المحلية يشكل ضمانة لاتخاذ قرارات متوازنة وعادلة، تحمي خصوصية المكان وتصون مصادر الرزق، بعيدًا عن أي تدخلات غير مدروسة من جهات بعيدة عن الواقع المحلي.

وفي الختام، يبقى الإسكان الريفي في جبال ظفار قضية محورية تتصل بحياة الناس واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي، وأي خطة تطوير يجب أن تراعي حماية الأراضي والمرعى، واستدامة مصادر الدخل، مع الحفاظ على العادات والتقاليد المحلية، ونبذ الممارسات الدخيلة الناتجة عن دمج حضاري غير مدروس. ويظل إشراف السلطة المحلية الخيار الأكثر واقعية لضمان تنفيذ مشاريع عادلة ومتوازنة، تحافظ على الروابط الاجتماعية وتحقق التنمية دون المساس بخصوصية المكان، لتبقى جبال ظفار بيئة صالحة للعيش والعمل المستدام.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z