من الخلاف السياسي إلى القطيعة الشعبية.. صناعة الكراهية في العالم العربي

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

 

يختزل الكاتب والأديب الأخلاقي المعروف تشارلز كاليب كولتون "Charles Caleb Colton" جوهر الإشكالية الإنسانية للكراهية بقوله: "نكره بعض النَّاس لأننا لا نعرفهم؛ وسنظل لا نعرفهم لأننا نكرههم"، وهي عبارة تكشف بعمق كيف يُولّد الجهل مشاعر النفور، وكيف تُعيد الكراهية إنتاج هذا الجهل في حلقة مفرغة.

وفي السياق العربي، تبرز هذه الحكمة بوصفها مرآة لواقعٍ مُقلق، إذ تواجه الدول العربية اليوم تحديًا متصاعدًا يتمثل في انتشار الخطابات التحريضية وتسارع وتيرة إذكاء الكراهية بين شعوبها عند أول خلاف أو نزاع سياسي بين دولها. فقد أسهمت سياسات غير رشيدة انتهجتها بعض الحكومات، إلى جانب خطاب إعلامي يفتقر إلى المسؤولية الأخلاقية والمهنية، في إشعال النعرات القومية والطائفية والعرقية داخل المنطقة. ويشير محللون إلى أن الحملات السياسية والإعلامية المكثفة، خاصة في أوقات الأزمات، تحوّلت إلى أدوات تعبئة سلبية غذّت التحريض الديني والمذهبي والقومي، وعمّقت مشاعر الشك والعداء المُتبادل بين الشعوب العربية بدل أن تعزز جسور الفهم والتقارب.

ورغم خطورة هذه الظاهرة واتساع نطاقها، لا تزال الدراسات المنهجية المتخصصة في قياس تنامي الكراهية في العالم العربي محدودة ونادرة، وهو ما يعوق الفهم العلمي الدقيق لحجمها وحدّتها ومسارات تشكّلها. ويكشف هذا الفراغ البحثي عن ضعف الاهتمام الرسمي والشعبي بمعالجة جذور الكراهية بوصفها قضية نفسية واجتماعية وثقافية عميقة، لا مجرد ردّ فعل عابر للأزمات السياسية. إن استمرار هذا التجاهل لا يُهدد فقط التماسك الاجتماعي، بل يفتح المجال أمام مزيد من الانقسام والتفكك في نسيج المجتمعات العربية، ما يجعل مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل.

من منظور فكري ونفسي عام، تتعدد العوامل التي تسهم في زرع بذور الكراهية بين الشعوب. وفيما يلي أبرز هذه العوامل النفسية والفكرية المساهمة:

  • التحيزات المعرفية والمعتقدات المسبقة: تميل الشعوب في العادة إلى تبنّي المعلومات التي تدعم تصوّراتهم المسبقة عن الشعوب والقوميات والمذاهب الأخرى وتجاهل الأدلة المخالفة. وتشير أبحاث حديثة إلى أن "التحيزات المعرفية" تدفع الأشخاص إلى قبول ومشاركة المعلومات التي تتماشى مع معتقداتهم المسبقة بغض النظر عن دقتها. هذا الانحياز يجعل الأفراد عرضة لتصديق الشائعات والصور النمطية السلبية المكونة في أذهانهم عن شعوب معيّنة، مما يعزز ويرسخ مشاعر العداء تجاهها.
  • نظرية كبش الفداء والإحساس بالحرمان: تؤدي نظرية "كبش الفداء" دورًا محوريًا في تفسير سلوكيات العداء الجماعي؛ إذ تميل بعض الشعوب التي تعاني أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية داخلية إلى إسقاط إخفاقاتها على دول أو أطراف خارجية، واتهامها بالمسؤولية عن مجمل أزماتها. ويُسهم هذا الإسقاط النفسي في حماية الصورة الذاتية الجمعية، وتخفيف وطأة مشاعر الإحباط والعجز والفشل الداخلي، عبر تحويل الغضب من أسبابه الحقيقية إلى خصم خارجي يُستدعى عند كل أزمة.
  • دور الخطاب الإعلامي ووسائل التواصل: تسهم وسائل الإعلام التقليدية والرقمية في تعزيز الانقسامات عبر نشر المحتوى التحريضي. وقد وجدت دراسات تحليلية أن وسائل التواصل الاجتماعية كانت محفّزًا رئيسيًا لنشر "ثقافة الكراهية"؛ إذ أفرزت تفاعلاتها سلوكيات مفعمة بالتعصّب والعدوانية والتحريض ضد الآخر. كما استخدمت جهات سياسية وإعلامية منصاتها لبث خطابات تزرع الانقسام والكراهية بناءً على معايير دينية أو عرقية. وقد حذّر خبراء من أن غياب الضوابط الإعلامية والرقابة يزيد من انتشار هذه الخطابات، ويؤجج الانقسامات بين الشعوب العربية.
  • إن معالجة "بذور الكراهية" تستدعي رؤية وعملًا جماعيًا بين الدول العربية؛ حيث تتجه أنظار الشعوب العربية إلى جامعة الدول العربية ومؤسساتها المختلفة، ولا سيما الاجتماعية والإعلامية منها، بوصفها الإطار الجامع القادر على تحويل القلق العام إلى سياسات فاعلة؛ فالمأمول اليوم ليس الاكتفاء ببيانات الإدانة، بل تبنّي خطوات مؤسسية جادة وممنهجة لكبح جماح تفشّي ثقافة الكراهية بين شعوب الدول العربية، عبر استراتيجيات توعوية وإعلامية مسؤولة، وبرامج اجتماعية تعالج الجذور النفسية والسلوكية لهذا الخطاب.

إن نجاح الجامعة في هذا الدور من شأنه أن يعيد الاعتبار لفكرة العمل العربي المشترك، ويعزز مناعة المجتمعات في مواجهة الانقسام والتفكك، ويؤسس لفضاء عربي يقوم على التعدد والتعايش بدل الشحن والتحريض.

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z