زينب بنت سليمان الخروصي
يذهب جانب من الباحثين إلى التمييز بين صناعة التشريع وصياغة التشريع؛ حيث تُفهم صناعة التشريع على أنها العملية التي يتم من خلالها تحديد الحاجة إلى التشريع، ورسم أهدافه العامة، وضبط نطاقه، وتقدير آثاره الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، بينما تُعنى صياغة التشريع بتحويل هذه المضامين والسياسات إلى نصوص قانونية دقيقة، واضحة، ومحكمة البناء، قابلة للتطبيق العملي.
وينطلق هذا التمييز من اعتبار صناعة التشريع عملًا مؤسسيًا ذا طابع سياسي عام، تشارك فيه الجهات المختصة وفقًا للاختصاصات الدستورية والقانونية، وعلى رأسها الجهات التشريعية والتنفيذية ذات العلاقة، باعتبارها الأقدر على استشراف الحاجة المجتمعية وتقدير المصلحة العامة. أما الصياغة التشريعية فتُناط بالفنيين المختصين في الصياغة القانونية، ممن يمتلكون الخبرة في بناء النصوص وضبط المصطلحات وتحقيق الاتساق التشريعي.
وفي مقابل هذا الاتجاه، يرى فريق آخر من الباحثين أن الفصل الحاد بين صناعة التشريع وصياغته لا يعكس حقيقة العملية التشريعية، نظرًا للتداخل الوثيق بينهما؛ إذ إنَّ صناعة التشريع لا تكتمل إلا بصياغته، كما أن الصياغة الرشيدة تفترض فهمًا عميقًا للأهداف والمقاصد التشريعية التي أُنشئ من أجلها النص.
وتبرز أهمية هذا النقاش في النظم التي تقوم على التعددية الحزبية؛ حيث تسعى الأغلبية البرلمانية إلى توجيه صناعة التشريع بما يعكس برامجها وسياساتها العامة، وتُخضع عملية الصياغة لهذا التوجه. غير أن هذا الاعتبار يختلف في النظم التي لا تقوم بنيتها الدستورية على التنافس الحزبي، وإنما على مبدأ تحقيق الصالح العام وتكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، فإنَّ السياسة التشريعية في سلطنة عُمان لا تقوم على التشريع بوصفه تعبيرًا عن توجه فئوي أو غلبة عددية، وإنما تنطلق من مبدأ تحقيق المصلحة العامة وخدمة المجتمع بأسره، مع الالتزام بالثوابت الدستورية والمرتكزات الشرعية، وبما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية والاستقرار القانوني.
كما أن التعددية المعترف بها في الإطار العُماني هي تعددية الآراء والاجتهادات الفنية والقانونية داخل المؤسسات المختصة، والتي تهدف إلى مناقشة البدائل التشريعية والوصول إلى الرأي الأرجح والأكثر تحقيقًا للمصلحة، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو الفئوية، بحيث يصدر التشريع معبّرًا عن الرأي الأقرب للصواب وكفيل بحماية المصلحة العامة.
ويُفترض في القائمين على الصياغة التشريعية أن ينصرف جهدهم إلى الاجتهاد القانوني الرصين، واستمداد الأحكام المنظمة من مصادرها المعتمدة، وتقدير المصالح والحاجات التنظيمية في إطار ما تتركه النصوص العامة للاجتهاد، دون أن يكون هدف الصياغة مجرد ترجمة لرغبات أو توجهات آنية، وإنما أداة لضبط السياسات التشريعية في قالب قانوني مستقر، واضح، وقابل للتطبيق.
** باحثة شؤون قانونية
