د. محمد بن خلفان العاصمي
للتكنولوجيا وجهان؛ أحدهما مشرق والآخر مُظلِم، وهذا الرأي ليس مطلق بكل تأكيد فالمسألة نسبية لحد كبير، والقضية جدلية وهذا أمر مفروغ منه، وحتى لا أوسم بمعاداة التقدم العلمي والتطور، وحتى لا يلصق بي تهمة الوقوف في وجه التكنولوجيا والرجعية العلمية البحتة، لابد من أن أفسر الكلام أعلاه، ولكن قبل ذلك فأنا- والحمد لله- درست علم الحاسوب في بداياته عندما كانت تقنية جديدة على عالمنا بلغات برمجة لم تعد تستخدم، والشاهد من ذلك أنني أومن بأهمية التكنولوجيا في وقتنا الحالي الذي أصبح العالم فيه عبارة عن قرية صغيرة بفضل التقنية.
نعم قد نسقط في فخ التكنولوجيا إذا لم نُحسن استخدامها بشكل صحيح، وهناك نواحٍ يجب الانتباه لها لتجنب هذا السقوط، فالاعتماد المفرط على التكنولوجيا يؤدي إلى ضعف مهارات التفكير العليا وضعف الحفظ، وتدني مستويات التفكير الناقد والتحليل والتركيب وحل المشكلات، كما أنه يقضي على الإبداع والابتكار، وعلى سبيل المثال: مهارات الحساب مثل القسمة وغيرها من العمليات الحسابية أصبحت صعبة على أجيال اليوم، ويفضلون الاعتماد على الحاسبة بشكل مباشر وفوري دون محاولة إيجاد حل بالطريقة التقليدية، ولا يمكن النظر لهذه المساءلة على أنها تواكب مع التطور واستثمار الوقت؛ فهي تعطيل لخاصية من خصائص العقل البشري الذي يملك إمكانيات هائلة متى ما استُخدم.
وهناك تحدٍ آخر تخلقه التكنولوجيا يتمثل في العزلة الاجتماعية؛ فالتكنولوجيا والتقانة أوجدت علاقات افتراضية بدل العلاقات الواقعية، بل فرضتها فرضًا فلم يعد هناك ذلك البعد الاجتماعي المتمثل في المشاركة الفعلية بين أفراد المجتمع، بل حتى على مستوى الأسرة، فقد أصبح لقاء أفرادها عبر وسائل التقنية أكثر من لقائهم الواقعي، ولهذا السلوك أثر اجتماعي وعاطفي، فالإنسان أصبح منصرفًا عن الاهتمام بالمجتمع، ولم يعد لديه ذلك الشعور بالانتماء والمسؤولية التي تجعله حريصًا على سير الحياة الاجتماعية في نطاقها الصحيح، بل إنَّ شعور الأفراد بالوحدة ازداد نتيجة هذه العزلة التكنولوجية التي يعيشها، مما يولد الخوف من تفشي اضطرابات نفسية واجتماعية عديدة مثل القلق والبارانويا (جنون الارتياب) والاكتئاب والرهاب الاجتماعي.
فخٌ آخر قد تُوقعنا فيه التكنولوجيا الحديثة يتمثل في قدرة الخوارزميات على توجيه ما نراه ونفكر فيه؛ إذ إن هذه الخوارزميات الذكية داخل التطبيقات صممت لتتفاعل مع المستخدم بشكل ذكي، فعلى سبيل المثال: لو كنت تبحث عن موضوع مثل نظرية المؤامرة أو الذكاء العاطفي أو القيادة فسوف تقوم هذه التطبيقات بعرض المزيد من هذه المواضيع عليك، وفي نفس الوقت ومن خلالها فهي تقوم بتحليل شخصيتك وميولك واتجاهاتك، وتقوم بتوجيه المحتوى بالطريقة التي تريدها هذه الخوارزميات، وهذا يُسهم في نشر محتوى قد يكون غير لائق ومعلومات مضللة وتوظيف التقنية بشكل خاطئ تجعلك غير قادر على إبداء الآراء وإنما فقط شخص يقف أمام هذه التطبيقات لتعرض عليه ما تريده هي من محتوى ناتج عن تحليل بياناتك الشخصية وتفضيلاتك البحثية، وهذا ما يعرف بالسيطرة على الوعي.
جانب آخر تؤثِّر فيه التكنولوجيا الحديثة والتقانات الرقمية والتطبيقات الذكية بشكل كبير على الفرد والمجتمع، فقد أفقدت هذه التكنولوجيا البشرية خصوصيتها، فلم يعد للخصوصية الفردية أو الأسرية أو الاجتماعية مكان، فهذه التقنيات أصبحت تمتلك قدرة كبيرة على تتبع البيانات، وذكر لي صديق في أحد المرات أن صديقه كان يتصل عليه ويبحث عنه وفاجأه بالحضور إلى المكان الذي يوجد فيه دون أن يبلغه بمكانه وعندما سأله كيف عرفت مكاني؟ أجابه من خلال أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي أرشدني لمكانك! هل تتخيلون أننا أصبحنا غير قادرين على امتلاك الخصوصية بسبب هذه التكنولوجيا؟!
ليت الأمر يتوقف على ذلك فهذه التكنولوجيا تستطيع مراقبة سلوكك وتتبع عادات لتضع لك نمطاً سلوكياً وقراءة تحليلية شخصية لهواياتك وتوجهاتك وأنشطتك، والأدهى من ذلك أنها تباع للشركات لكي تستخدم في التسويق الإلكتروني وغيرها من الأنشطة التجارية، لقد أصبح هناك متخصصون لهذا النوع من الأعمال.
عنصر أخير من عناصر التأثير الذي خلقته التكنولوجيا في حياتنا وله جانب سلبي، وهو البطالة التي باتت تصنعها التكنولوجيا في ظل تمسكنا بتعليم التخصصات التقليدية التي لم تعد قادرة على استيعاب التحول الذي يحدث، نعم هذه التكنولوجيا خلقت تخصصات جديدة مختلفة واستبدلت التخصصات التقليدية بتخصصات تعتمد على التقانة بشكل أساسي؛ فالطبيب المُبدع اليوم لم يعد بمواصفات الطبيب التقليدي السابق، ومهندس اليوم يستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في مجاله، بل ظهر الطبيب المبرمج والمهندس المبرمج، وهذا تحول جذري في مسار وظائف المستقبل يجب أن ندركه قبل توسع فجوة من يمتلك المهارة الرقمية ومن لا يمتلكها، بين من يتقبلها ومن يرفضها ويقاومها، الفجوة الفاصلة بين التقدم والتخلف.
وقبل الختام.. نطرح تساؤلًا مُهمًا وهو هل للتكنولوجيا وجه مشرق؟ والإجابة بكل تأكيد نعم؛ فالوجه المشرق للتكنولوجيا يكمن في أنها طوَّرت الطب والتعليم والهندسة والعلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها الكثير من المجالات، كما إنها سهَّلت الوصول للمعرفة، وبطريقة اكثر دقة بل انها تجاوزت مرحلة تقديم المعلومة المجردة إلى مرحلة تحليل المعلومات وتركيبها واستنتاجها، لقد نشطت هذه التقنية ودعمت البحث العلمي بطريقة مختلفة ومبتكرة، كما ساهمت في تقريب الشعوب وحرق المسافات وربط العالم بعضه ببعض في مشهد أقرب للخيال، كل ذلك رفع من الإنتاجية الفردية والمؤسسية في جميع المجالات، وخلق ديناميكية جديدة في مجال الأعمال والاقتصاد.
ويبقى السؤال الأهم، أين يكمن الخطر من هذه التكنولوجيا؟ والإجابة بسيطة جدًا ولا تتعدى كلمات بسيطة وهي (عندما تتحول من أداة بيد الإنسان إلى قائد للإنسان)، لكن هذه الإجابة عميقة في المعنى، ولتجنب الوقوع في هذا الخطأ هناك عمليات كثيرة ومعالجات يجب أن تتم مثل الوعي والتربية الرقمية والاتزان في التعامل معها، وتبقى القيم والمبادئ والأخلاق هي العنصر الأساسي والأهم لتجنب الوقوع في "فخ التكنولوجيا"!
