د. محمد بن خلفان العاصمي
منذ بداية هذا الأسبوع، تشهد العاصمة مسقط حدثين مُهمين؛ الأول دولي والثاني محلي، ولعل ما يجمع أهمية الحدثين أنهما يمثلان الصورة الحديثة لسلطنة عُمان، الصورة التي تعكس التطور الذي شهدته الدولة خلال العقود الماضية ودورها الريادي الذي أصبح غير خافٍ على أحد؛ بل إن المكتسبات التي حققتها سلطنة عُمان على المستوى الداخلي والخارجي تُعد بحق أعجوبة عندما تُقاس بعمر الدول، وعندما تُقارن بمثيلاتها، وكل ذلك هو نتاج قيادة حكيمة جعلت من وضع البلاد في مكانتها الصحيحة هدفًا استراتيجيًا واجب التحقيق، وقد كان ذلك.
عندما تتفق جميع الأطراف المتصارِعة والمتنازِعة على أن تجري مفاوضاتها هنا في مسقط؛ فهذا أمر لم يحدث اعتباطًا؛ بل هو عبارة عن موثوقية ومأمونية نالتها سلطنة عُمان لتلعب دور الوسيط الذي يُمكن أن يقود هذه العملية إلى تحقيق غاياتها، وهذه الثقة لم تأتِ من فراغ؛ بل هي نتاج دبلوماسية واضحة ومبادئ سياسية راسخة، انتهجتها الدولة وتمسكت بها وقاومت من أجل الالتزام بها، فكسبت الاحترام والتقدير الدولي، ونالت إشادة واسعة من مراكز القوى السياسية العالمية، والمنظمات الدولية المعنية بالشأن السياسي.
سلطنة عُمان لديها نهج واضح في هذا الجانب الدبلوماسي؛ فهي لا تمارس الضغط على الأطراف المتحاورة، ولا تتدخل في المفاوضات إلّا إذا طُلب منها رأي أو مشورة، كما أنها تُهيئ الظروف المناسبة لسير المفاوضات بشكل سلس، وتقود العملية بحكمة عندما تجد أنها تسير إلى طريق مسدود، وعندما ترى أن الفشل اصبح أقرب من النجاح تعيد الأمور إلى مستوى الثقة بحكمة وحنكة سياسية عُمانية خاصة، ولذلك تدرك الأطراف أن الوصول إلى مسقط هو الطريق الأمثل لحل الأزمة، والأمثلة كثيرة على نجاح الدبلوماسية العُمانية في نزع فتيل ازمات كادت تعصف بالعالم والمنطقة.
يُدرك المفاوضون أن ما يحدث داخل الغرف المغلقة يظل سرًا أبديًا في سلطنة عُمان، لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن استغلاله مهما تبدلت الأوضاع والظروف والمصالح؛ فالدولة ذات المبادئ الثابتة لا تتبدل مواقفها بتغير الظروف والمصالح، ولا تتلون من أجل تحقيق مآرب خاصة، ولا توجد لديها أجندة خاصة من وراء هذا الدور مثلما يحدث مع بعض الدول التي تشترط مقابل لرعاية المفاوضات، ولذلك اعتمدت المنظمات الدولية سلطنة عُمان كأهم الدول ذات السمعة الطيبة والقدرة على رعاية المفاوضات والوساطة الدولية لحل الأزمات.
وبينما اختتمت الجولة الأولى من هذه المفاوضات وفق إطارها المعلن، تنطلق في مسقط النسخة الرابعة من اللقاء الوطني المفتوح "معًا نتقدم"، هذا اللقاء السنوي الذي يجمع الحكومة بالمواطن، ويتم خلاله تقييم مراحل تنفيذ رؤية "عُمان 2040" والذي يحظى برعاية كريمة من لدن المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه- والذي يحرص بشكل كبير على أن يتم على مستوى عالي من الشفافية والوضوح، ويرعاه في كل عام صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، والذي يتابع بكل حرص التقدم الذي تحققه الرؤية عامًا بعد عام، ويقف على التحديات التي تواجه تحقيق مستهدفاتها والتحاور مع المختصين والاستماع إلى ملاحظات الموطن والذي هو هدف هذه الرؤية.
لقد حقق ملتقى "معًا نتقدم" نجاحًا باهرًا خلال الأعوام الماضية، وذلك لأسباب جوهرية تتمثل في مصداقية الطرح، وانتهاج سياسة ناجحة في استثمار الملتقى لتحقيق أهدافه من خلال التنويع في جلسات الحوار وإشراك المواطن في اختيار محاور الملتقى، التي يرى أنه من المهم تسليط الضوء عليها، ووضع المسؤول في مواجهة مباشرة مع المشاركين، واتساع فضاء الطرح إلى الحد الذي يحقق الفائدة المنشودة من هذا المنتدى الوطني الذي تغلب فيه مصلحة الوطن، وتعلى فيه ركائز التنمية المستدامة لغد مشرق لأجيال المستقبل.
