محمد بن علي بن ضعين البادي
في عالم السياسة والقوة، كثيرًا ما يخدعنا المشهد؛ فنرى الجندي المُدجَّج بالسلاح والمُحاط بالبوارج ككائن حصين لا يطاله الأذى، لكن القراءة العميقة للمشهد الأمريكي في الشرق الأوسط اليوم تكشف عن واقع مغاير تمامًا؛ فخلف هذا الدرع الحديدي، تبدو القوات الأمريكية وكأنها إنسان يقف عاريًا وسط العراء، بلا ثياب تقيه ضربات الشمس الحارقة، ولا زمهرير البرد المباغت؛ إنها حالة من "العُري الاستراتيجي" الذي يجعل الوجود العسكري عبئًا على صاحبه بدلًا من أن يكون حماية له.
لقد اعتادت الولايات المتحدة أن يكون انتشارها العالمي هو "حُلّتها" الفاخرة التي تتباهى بها، لكن في مواجهتها مع إيران، يبدو أن هذه الحُلّة قد تمزقت؛ فالقواعد العسكرية الأمريكية الممتدة من الخليج إلى العراق وسوريا، هي أهداف ثابتة ومعروفة، ويمكن أن تتحول في لحظة المواجهة إلى نقاط استنزاف خطيرة. القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تُقاس فقط بقدرتها على الهجوم؛ بل بقدرتها على "تحمُّل الرد"، وهنا يبرز العُري الأمريكي؛ إذ إن الانتشار الواسع هو في الوقت ذاته انكشاف واسع.
ولم يعد الخطر مُقتصرًا على اليابسة فحسب؛ بل إن الوحدات البحرية المتحركة لم تعد بمنأى عن الرصد والاستهداف؛ فإيران اليوم نزعت عن القوات الأمريكية "بُرقع الخفاء"؛ بما تمتلكه من تطور تكنولوجي وقدرات استخباراتية، ما يُمكِّنها من كشف مسارات القطع الكبرى وتعقب الغواصات. ومع تطور المسيرات وصواريخ الردع، أصبح الجسد العسكري الأمريكي "شفافًا" أمام أعين الرصد الإيرانية، وبات البحر ساحة مكشوفة لا توفر وقاية ولا تمنح أمانًا.
إن استعارة "العُري" تتجسد بوضوح في الانكشاف الجغرافي الأخير؛ فعندما أعلنت دول الخليج العربي صراحةً رفضها السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن أي ضربة عسكرية ضد إيران، نزعت عن الجسد الأمريكي آخر "قطعة ثياب" كانت توفر له الدفء اللوجستي والأمان الجغرافي. وبذلك، خرجت هذه الدول من "حسبة" الدعم المباشر، تاركةً المخطط العسكري الأمريكي أمام هجير الصحراء بلا بدائل قريبة، مما يضاعف من كلفة أي مغامرة ويفقدها عنصر الحماية.
وعلى الصعيد الدولي، لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل الموقفين الروسي والصيني؛ فالحرب مع إيران لن تكون بمعزل عن القوى العظمى التي ترفض أي تغيير جذري في موازين القوى بالقوة العسكرية. فروسيا، بعلاقاتها الاستراتيجية والعسكرية الوثيقة مع طهران، والصين باعتبارها الشريك الاقتصادي الأكبر والمستفيد من استقرار ممرات الطاقة، لن يقفا مكتوفي الأيدي. هذا الدعم الدولي يمنح طهران عمقًا استراتيجيًا يجعل من أي مغامرة أمريكية اصطدامًا غير مباشر مع أقطاب عالمية تتربص بالنفوذ الأمريكي وتعمل على كبحه، مما يترك القرار الأمريكي يرتجف في العراء بين رغبة التهديد وخوف الاحتراق.
وفي حال اتخذت إسرائيل قرار الدخول في مواجهة مفتوحة، فإن المشهد سيتحول من صراع محسوب إلى انفجار إقليمي، تقوم معه "القيامة" على مصالح الدولتين؛ حيث ستصبح الأهداف الأمريكية مكشوفة لغضب شعبي وعسكري لا يمكن احتواؤه، لتغدو الحرب صدامًا مع بيئة إقليمية ودولية معادية تملك من الأدوات ما يجعل الكلفة باهظة وطويلة.
الخطر الحقيقي بالنسبة لأمريكا لا يكمن في فقدان التفوق العسكري، بل في "كلفة العري" السياسية والبشرية. فاستهداف القواعد وسقوط قتلى من الجنود كفيل بإشعال جدل داخلي عاصف وتقويض الدعم الشعبي لترامب، كما أن اهتزاز إمدادات الطاقة سيضرب الاقتصاد العالمي في مقتل.
الخلاصة.. إنَّ القوة التي لا تملك غطاءً من القبول الإقليمي، ولا حماية من المفاجآت التكنولوجية، هي قوة "عارية" مهما امتلكت من عتاد. والولايات المتحدة اليوم، تدرك أن الحرب مع إيران ليست نزهة، بل مقامرة قد تعري قواعدها وتستنزف هيبتها. ولهذا تبقى لغة التهديد حاضرة، لكن خلفها حسابات دقيقة تجعل خيار الحرب آخر ما يفكر فيه صانع القرار، فمن يقف في العراء يدرك جيدًا أن أول من ستحرقه الشمس هو!
