العقل يقود حين نفقد القلب

 

د. هبة العطار

 

حين تفقد قلبك في حادث سير، لا يكون المقصود ذلك العضو الذي يواصل أداء وظيفته البيولوجية؛ بل ذاك المركز الخفي الذي كان يمنح الأشياء معناها. الحادث هنا لا يكون اصطدام مركبات فحسب، وإنما اصطدام زمنٍ بزمنٍ، لحظة واحدة ينشطر فيها العمر إلى ما قبل وما بعد، ويتحوّل الطريق من مساحة عبور عادية إلى حدٍّ فاصل في الوجود.
المدهش أن العالم لا يتغيّر خارجيًا، الشوارع تظل كما هي، والسماء لا تسقط، والناس يواصلون حياتهم، بينما وحده الإنسان المصاب يُدرك أن شيئًا جوهريًا قد انكسر، شيء لا يظهر في الفحوصات ولا تُثبته التقارير، لكنه يختفي تمامًا، تاركًا فراغًا لا يشبه الحزن، بل يشبه فَقْد الاتجاه.
حين يُفقَد القلب فجأة، لا يُنعى، بل يُستبدل بالصمت؛ إذ لا توجد لغة جاهزة لوصف هذا النوع من الخسارة، الكلمات الشائعة تبدو باهتة، والمواساة الاجتماعية تخطئ العنوان، لأن الفقد هنا ليس نهاية تدريجية، وإنما انقطاع بلا وداع.
الفقد المفاجئ لا يمنح فرصة للاستعداد، ولا يسمح بالتدرُّج، ولا يُعلِّم كيف يمكن الاستمرار من دونه. إنه يسلب القدرة على التفسير، ويضع الإنسان أمام ذاته كغريب، يتنفس دون أن يشعر، ويواصل العيش، بينما شيء داخله مُعلّق عند لحظة لم تكتمل.
في الفقد المفاجئ لا يموت الإنسان، بل يفقد إحساسه بالحياة، يصبح حيًا من حيث التعريف، معطّلًا من حيث الشعور، يؤدي أدواره اليومية، يبتسم عند اللزوم، ويتحدث بلباقة عن أمور لم تعد تمسّه. الحياة بعد هذا النوع من الحوادث لا تُعاش، بل تُدار، وكأنّ الإنسان ينتقل من كونه كائنًا يشعر إلى موظف في يومياته. هنا لا تُقدِّم الفلسفة عزاءً مباشرًا، بل تطرح سؤالًا قاسيًا: هل الإنسان هو مجموع مشاعره وذكرياته، وإذا فُقدت فجأة، هل يبقى هو ذاته، أم يتحوّل إلى نسخة وظيفية بلا جوهر؟!
أقسى ما في الأمر أن القلب المفقود لا يعود، ولا يُعوَّض، وكل محاولات التجاوز تبدو سطحية أمام هذا العمق، فبعض الخسارات ليست مراحل عابرة، بل تحولات دائمة، لا يتم تجاوزها بقدر ما يتم التعايش معها، يتعلم الإنسان أن يحمل الفراغ كما يُحمَل عضوٌ مبتورٌ في الذاكرة، سيضحك لاحقًا نعم، لكن الضحك سيخرج من مكان آخر، وقد يحب من جديد، لكن الحب سيكون أكثر حذرًا، أقل اندفاعًا، كمن يعبُر الطريق وفي داخله خوف دائم من تقاطع غير متوقع، وهنا يتحول الألم إلى حكمة قاسية، ويصبح الفقد معلمًا صامتًا يُعلِّم هشاشة الاطمئنان وحدود البشر.
فاقد القلب حتمًا سيتواصل مع الحياة بالعقل، لا لأن العقل أدفأ؛ بل لأنه أصلب. النجاة هنا لا تعني التعافي العاطفي؛ بل إعادة تنظيم الوجود على أُسس أكثر واقعية. بعد فَقد القلب يصبح الوعي بديلًا عن الاندفاع، ويغدو الفهم درعًا بدل البراءة، ويقل منسوب الرحمة الساذجة، لا قسوةً، بل وضوح، ولا شفقة مجانية، بل تقدير محسوب؛ فالذي فقد قلبه مرة يعرف أن العشوائية في المشاعر قد تكون مُميتة، وأن القوة ليست في الإحساس العميق، بل في القدرة على البقاء متماسكًا حين ينهار المعنى.
حياة العقل بعد الحادث ليست جافة كما يُظَن، بل منضبطة، يبدأ الإنسان في انتقاء معاركه، وترشيد علاقاته، وإغلاق الأبواب التي كانت تُترك مفتوحة بدافع حسن النية، يصبح أقل اندفاعًا، أقل توقعًا، وأكثر تحققًا، لا يمنح ثقته بسهولة، ولا يراهن على الوعود، يتعلّم أن الفهم أسبق من العاطفة، وأن السلام الداخلي لا يُبنى على التعلّق، بل على الاستقلال، هنا لا يُدار الألم بالإنكار، بل يُعاد توظيفه كخبرة، وكأن الخسارة تتحول من جرح إلى أداة رؤية.
النجاة من حادث فقد القلب تعني الانتقال من منطق الشعور إلى منطق القوة، لا قوة السيطرة على الآخرين، بل قوة السيطرة على الذات، أول خطوة هي قبول التحوّل دون مقاومة، ثم إعادة تعريف العلاقات بحدود واضحة، ثم تدريب العقل على الملاحظة قبل الانخراط، يصبح السؤال الدائم ليس ماذا أشعر، بل ماذا أرى، وماذا أفهم، وماذا أستطيع أن أتحمّل دون أن أنهار، ومع الوقت يتحول الحذر إلى حكمة، والوعي إلى توازن، والنجاة إلى نمط حياة لا يعتمد على القلب وحده.
فاقد القلب لا يعود كما كان، لكنه لا يصبح أقل إنسانية، بل أكثر دقة، أقل سذاجة، وأكثر وعيًا بقيمة نفسه، بعد التعافي لا يعود يبحث عن الأمان في الآخرين، بل يبنيه داخله، لا ينتظر إنقاذًا، بل يصنع استقراره خطوة بخطوة، يختار حياته بعقله، ويحميها بوعيه، ويواصل السير لا لأنه شُفي تمامًا، بل لأنه تعلّم أن بعض النجاة لا تحتاج قلبًا كاملًا، بل عقلًا حاضرًا، وحدودًا صلبة، وإرادة لا تتراجع.

 

الأكثر قراءة

z