د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
صدر مؤخرًا كتاب "الوسيط في حل النزاعات"، للكاتبة فاطمة إيخردان، وقد تضمن هذا الكتاب تأطير نظري لماهية الوسيط ودور مؤسسة الوساطة في حلحلة النزاعات ووأدها قبل اللجوء إلى المحاكم القضائية، مقرونًا بمقاربة دولية لبعض التجارب من الواقع العملي لكل من: كندا وفرنسا وسنغافورة، مع الإشارة إلى دور الوسيط في كيفية معالجة العديد من النزاعات التجارية والمدنية والشرعية في تلك المنظمات الدولية.
ولقد أبانت الكاتبة على الأسس الواجب توفرها في الوسيط، والتي جاءت موجزة في وجوب اتصاف عملية قيام الوسيط بالوساطة على المحافظة على سرية المعلومات التي يطلع عليها، والحيادية التي تتمثل في الوقوف على مسافة واحدة بين المتخاصمين، والحلول السريعة التي تمكن الوسيط المحترف من تقديمها كسبًا للود واختصارًا للوقت والجهد، عوضًا عن توفير المبالغ التي ينفقها الخصوم في ردهات القضاء، وذلك دون تقييد لحرية الخصوم في اللجوء إلى القضاء في حالة تعثر الوسيط في حل النزاع الماثل.
ومن خلال الواقع العملي والتجارب التي خاضتها الكاتبة في العديد من الأنظمة الدولية، فإنها قد نوهت في غير قليل من الأحيان إلى أهمية تفعيل دور الوسيط الإنساني، لما لهذا الدور من أثر كبير في توطيد العلاقات الإنسانية بين الخصوم، فضلاً عن العديد من الجوانب الإيجابية التي تتمثل في البعد عن التعقيدات القضائية التي تتمثل في هدر الوقت وزيادة التكاليف، وكذا ما تمثله الوساطة من تعزيز لاستقرار العلاقات الاجتماعية، والذي مما لا ريب فيه أنه ينعكس إيجابًا في المحافظة على سمات المجتمع المحلي.
وغني عن البيان أن العديد من النزاعات الناشئة بين الخصوم هي نتيجة لقصور في النظر من جانب كل طرف من أطراف النزاع، ورسوخ فكرة صحة موقف كل طرف في مقابل رأي الطرف الآخر، ومن ثم يبرز هنا دور الوسيط في تقريب وجهات نظر الخصوم وكشف ما قد يلتبس على أي من الأطراف من قصور وضيق في النظر أو ما قد يشوبهم من تضليل في المعلومات أو تزييف لها من الغير، ومن ثم العمل على النأي بهم عن التعصب للمواقف والبحث عن حلول قد تكون غائبة عن الأطراف، التي لو وجدت في بداية الخصومة لكانت قد قطعت الطريق أمامها دون الحاجة إلى استفحال النزاع وإشعاله من الطرفين أو من قبل ممثليهم القانونيين التي تدفع بهم للوصول إلى منصات القضاء.
ولا جرم أن دور الوسيط يجب إلا يكون مخالف لنص قانوني صريح أو أن يأتي بحل يخالف النظام العام للمجتمع، كما يستلزم أن يمتلك الوسيط معرفة دقيقة بأعراف مجتمع الخصوم، كون الأعراف لها أهمية كبرى في التعامل مع عمومية النزاعات وبشكل خاص تلك المتعلقة بالجانب الأسري. وقد خلصت الكاتبة إلى أهمية وجود بند للصلح في عقود المحامين في القضايا الشرعية، وذلك بتغليب دور الصلح في مثل هذه النزاعات عوض المضي قدمًا في اللجوء إلى القضاء. وبإمكان مكاتب المحاماة في حالة عدم توفر المحامين القادرين على حلحلة القضايا الشرعية الاستعانة بالوسطاء اللذين تتوفر لديهم القدرة والخبرة اللازمة لوأد هذه النزاعات في مهدها.
ونظرًا للتقدم المجتمعي في كافة المجالات فلم تعد الوساطة الحديثة مقتصرة على الخلافات البسيطة أو الاجتماعية؛ بل تعدى استخدامها في إدارة العديد من النزاعات الأكثر تعقيدًا، والتي تتطلب في غير قليل من الأحيان إلى وجوب توفر خبرة فنية دقيقة. لذا ذهبت العديد من مراكز الوساطة الدولية إلى دمج الوساطة مع خبرات قانونية وتقنية لضمان عدالة الصلح، وتحقيقه على أرض الواقع، وجعله قابلاً للتنفيذ. ومن بين هذه النزاعات على سبيل المثال لا الحصر: النزاعات التجارية والمالية الكبرى، والفنية الهندسية، والتأمينية، والطبية، والتعاقدية ذات الطابع التقني.
ولئن كان للوسيط ومراكز الوساطة دور كبير وفعال في حلحلة مختلف النزاعات، إلا أن هذا الدور يبرز بشكل أكبر ويكون أكثر إلحاحًا في وجوب توفره في النزاعات الشرعية، نظرًا لما يمثله هذا النوع من النزاعات من آثار ترتبط بمكونات الأسرة من الزوجين والأولاد وكذا امتداد آثاره على البيئة المحلية للمجتمعات والدولة بشكل عام.
ومما لا ريب فيه أن تحقيق الوسيط لمهامه لا تكتمل إلا باعتماد اتفاق الصلح والذي يستوجب أن يكون مكتوبًا في صيغة اتفاق نهائي، وأن تتصف بنوده بالوضوح والدقة وعدم القابلية للتفسير أو التأويل، وكذا قابليته للتنفيذ في إطار النصوص القانونية السارية والنظام العام للدولة. ولبيان هذا الاتفاق- الصلح- بشكل منظم، وأقرب لواقعية النزاعات، فقد أورت الكاتبة في ضوء خبرتها في مجال الوساطة وتنوع ثقافتها الدولية العديد من النماذج الاسترشادية لاتفاقيات الصلح في المجالات: الأسرية، المالية، العلاقة العمالية، والتعاملات العقارية.
ولئن كان لنا من إضافة لهذا الكتاب القيم، وبغض النظر عن الهيئات واللجان المتماثلة في سلطنة عُمان، فإنني ألتمس من الجهات المختصة القيام بدراسة الآتي:
- إجراء تنظيم تشريعي وهيكلي لدور الوسيط في المجتمع العُماني.
- إنشاء هيئات أو لجان أو مكاتب مستقلة ومتخصصة في الوساطة.
- تضمين العقود المبرمة بين مكاتب المحاماة والمتقاضين لبند يعني بحل النزاعات عن طريق الوساطة.
- وجوب مرور النزاعات الشرعية على الوسيط قبل النظر إليها من قبل الدائرة القضائية المختصة. وتوفر رأي الخبرة الفنية في النزاعات الأخرى عند العرض على الجهة القضائية المختصة في حالة تعثر الوساطة.
- استحداث سجل للوسطاء وفق معايير فنية خاصة، والعمل على تأهيلهم نظريًا وعمليًا من واقع النزاعات الوطنية والمقارنة.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
