كمال بن حسن اللواتي
في مقاله "إيران على مُنحدر التآكل"، ركّز الأستاذ مرتضى بن حسن بن علي، على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في إيران، مُعتبرًا أنَّ الدَّولة على حافة الانهيار بسبب الفساد والفشل الإداري، مع دور محدود للعَامل الخارجي.
لكن هذا الطرح يختزل المشهد، متجاهلًا البُعد العقائدي الذي يُشكّل قلب النظام، والضغط الخارجي الذي يلعب دورًا مركزيًا في وضع إيران الاقتصادي والسياسي.
الثورة الإيرانية ضد الشاه لم تكن كتلة صماء، صحيح أن هناك تحالفات صغيرة، لكن التيار الإسلامي- آنذاك- بقيادة الإمام الخميني كان الأكبر والأشمل وما زال العمود الفقري للنظام؛ حيث استطاع أن يُوفر أطروحة ثورية إصلاحية ذات مرجعية دينية تلبي تُطلعات الشباب وتستجيب لحراك الشارع وتتكئ على مرجعية ثابتة وصلبة.
ومن المهم التأكيد على أن تماسك النظام الإيراني الحالي ليس أمنيًا فقط -رغم أهمية الأمن في تماسك أية دولة- بل يعتمد على ملايين العقائديين المستعدين عند إشارة الولي الفقيه، للتضحية والدفاع عن الثورة، بما في ذلك الاستشهاد عند الحاجة.
هذه القاعدة العقائدية تمنح الدولة قوة صمود لا يمكن فهمها عبر قراءة اقتصادية أو اجتماعية محضة.
الأيديولوجيا والحرية بمفهوم مختلف
كما إن الادعاء بأنَّ إيران أيديولوجية بينما الدول الأخرى حيادية، هو ادعاء مُضلِّل؛ فجميع الدول الحديثة أيديولوجية، لكن الغرب صُنّفت أيديولوجيته معيارًا عالميًا، فيما تُوصف أيديولوجيات أخرى بالانحراف، ولا ينحصر الأمر فقط في المشاريع السياسية فالسائد في الدوائر السياسية الغربية التأصيل لمركزية الغرب وتهميش الشرق، يُنظر على سبيل المثال ما كتبه إدوارد سعيد في نقد الاستشراق.
أما إذا تحدثنا عن الحرية في إيران فهي قطعاً ليست نسخة غربية؛ بل تشكّلت ضمن سياق ديني وثوري وثقافي مختلف، أسهم رواد كبار في التأصيل له ضمن فكرة (الحرية الروحية)، التي نجد صداها كثيرا في كتابات الشهيد مطهري وطالقاني وغيرهم من المنظرين من رواد الحركة الإسلامية.
مفهوم الحرية في إيران مغاير لما سمعناه وفهمناه وألفناه وتطبعنا عليه، والمؤسف أن وعينا تم تشكيله على المفهوم الغربي، وأنه المفهوم الصحيح الأفضل، بينما مفكرو الإسلام قدموا حرية تستند على العبودية لله جل وعلا.
أما المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومؤسسات الدولة الكبرى؛ فهي تُدار ضمن منظومة رقابية معقدة، يمنح الدستور فيها صلاحيات واسعة للولي الفقيه، وهو بدوره منتخب من مجلس خبراء القيادة، وهي بدورها هيئة منتخبة من الشعب، وتختار الأنسب من بين الفقهاء الجامعين للشروط.
كما إن مجلس الشورى له دور واسع في هذه المراقبة والمحاسبة أيضا، وهو نموذج يختلف عن المنظومات الغربية، ولكنه ليس استثناءً مدهشًا، ولا يُعبر بالضرورة عن حالة استلاب لحرية الشعب الإيراني، فما زال النظام بكل سلبياته نتاج ثورة شعب، والشعب الإيراني بعد الثورة صوّت لحكم الشريعة وولاية الفقيه!
الضغوط الخارجية: المحرك الخفي للأزمات
العامل الخارجي ليس هامشيًا كما يوحي بعض التحليل؛ بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إنه يُشكل نحو 70% من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في إيران؛ فالعقوبات الأمريكية والأوروبية والحصار المالي والسيبراني لم تؤثر فقط على الاقتصاد؛ بل حولت الواقع اليومي للمواطن إلى تحدٍّ مستمر، إلى جانب ذلك، تتعرض الدولة لضغوط استخباراتية وعسكرية مباشرة، خصوصًا من إسرائيل، مما يرفع من حالة الاستنفار ويحد من قدرة الحكومة على إدارة الأزمات بحرية تامة.
هذه الضغوط تُظهر التأثير الكبير للعالم الخارجي على اقتصاد إيران وحياة الناس اليومية، وتشكل عاملًا مركزيًا في تفسير الكثير من التحديات الحالية.
مقارنة بالاستقرار الإقليمي
دول المنطقة، رغم ما تبدو عليه من استقرار سياسي واقتصادي، تواجه تحديات داخلية، وهذا الاستقرار، مع وفرة الموارد، ليس بالضرورة دليلًا على كفاءة مطلقة أو شفافية، لكنه يوفر قدرة على إدارة الاختلالات الداخلية بشكل مختلف عن إيران.
بالمقابل، إيران، رغم الحصار والضغوط الخارجية، تحتفظ باستقلال سياسي واقتصادي ملحوظ، وتمتلك صناعات دوائية وعسكرية وتقنية متقدمة، وتُتيح حريات كثيرة مقارنة ببعض الدول العربية، ما يوضح أن الصمود الإيراني قائم على مزيج من المرونة الداخلية والقوة المؤسسية، وليس فقط على الظروف الخارجية.
صمود بين المبادئ والواقع
الحكومة الإيرانية مدركة لمعاناة الشعب، تُجرى الانتخابات وتتغير الحكومات، وتخرج الاحتجاجات للتعبير عن الصوت الشعبي، لكنها دولة عقائدية منشغلة بما يُمكن وصفه مجازًا بـ"ناطحات المبادئ"!
دستورها واضح في الدفاع عن المستضعفين ومواجهة الهيمنة الغربية، وهو نموذج فريد خارج أعراف المجتمع الدولي، لذلك تُحاصر وتحارب بشكل مستمر.
الصمود الإيراني يعتمد على توازن معقد بين العقيدة والواقع، بين الدفاع عن المبادئ وإدارة تحديات الحياة اليومية للمواطن.
وبالنظر إلى المستقبل، يبرز التحدي الأهم: ضرورة احتواء الشباب ضمن السقف الثوري الإيماني، مع منحهم المرونة الكافية للتعبير عن همومهم وتطلعاتهم، دون المساس بالثوابت والمبادئ الجوهرية للثورة؛ فاستمرار النموذج الإيراني وقوته يعتمد على القدرة على دمج الجيل الجديد ضمن المشروع الوطني والعقائدي، بما يضمن التجدد والحيوية دون التفريط في جوهر الثورة وقيمها الأساسية.
إيران ليست مجرد دولة تواجه أزمة اقتصادية أو سياسية؛ بل نموذج يجمع بين العقيدة والواقع، وأي قراءة أحادية تركز على الأزمة الاقتصادية فقط، أو تصوّر الدولة على أنها فاشلة بالكامل، تغفل جوهر الصمود الإيراني وقدرته على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية.
إنها تجربة فريدة لدولة غير مغمورة بالمال، لكنها غنية بالمبادئ والقيم، وتواجه العالم بمزيج من التحدي والصمود.
