عوض المغني
يقول المثل الشعبي "جاور السعيد تسعد" وهي استعارة لما قد يحصل عليه من جاور الشخصية الاعتبارية في مجتمعه وما يطاله من الخدمات، ناهيك عن بقية الخيرات.
وعلى المستوى الواقعي كانت لمثل تلك الجيرات أسوأ الأمثلة ومختلف الشرور التي طالت بعض الجيرة، وهو ما يصدق عالميا وجغرافيا على الولايات المتحدّة الأمريكية ولأمريكا اللاتينية عموما والكاريبي خصوصا؛ فقد وصلت التدخلات الأمريكية على اللاتينيين أكثر من 40 مرة ناهيك عن التدخلات الأخرى المباشرة وغير المباشرة، والتي عدت بالمئات وربما الآلاف، تعددت بين الحصار الاقتصادي والسياسي وتغيير أنظمة حكم، وتأييد أحزاب وتيارات سياسية.
وكانت المكسيك الجار الجنوبي أول المكتوين بنار الجيرة عندما احتلت كاليفورنيا ونصف المكسيك في أربعينيات القرن التاسع عشر. وتوالت التدخلات في غواتيمالا ونيكارجوا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل، لتختتم مؤخرا فجر 3 يناير باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادودر وعقيلته من غرفة نومه، بطريقة هوليودية كما يحبها الأمريكان. وهو التدخل الذي أذيع ونقلت تفاصيله كسيناريو معد، في زمن متسارع الأحداث، كسابقة أمريكية حظيت بمتابعة كل العالم بسبب سرعة التغطية بفضل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي لم تحدث في حالات مماثلة بالإطاحة بالرئيس البنمي عام 1989، أو كما حدث مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 2003.
وتتفاوت ذرائع تدخلات العم سام تارة بدعوى محاربة الدكتاتورية وتارة التعاون مع أعداء الولايات المتحدة (الصين وروسيا) في حالة فنزويلا؛ حيث الاحتياطي العالمي الضخم، بهدف إعادة الشركات الأمريكية العاملة في مجال الطاقة إلى فنزويلا بعد خروجها بسبب تأميم القطاع محلياً لكن هذا الاحتياطي الضخم لم يسل على إثره لعاب تلك الشركات، فتطوير البنى التحتية لقطاع الطاقة في كاراكاس بحاجة إلى مليارات طائلة، ولا ضمانات لأرباح سريعة قد تطول عشرات السنين، بالإضافة إلى خواص الخام الفنزويلي الثقيل وحاجته لعمليات تكرير خاصة.
على الجانب الآخر، يبرز الدور الصيني في الاستثمار في البنى التحتية والتطوير في الحديقة الخلفية المهملة للولايات المتحدة، وهي الذريعة الأخيرة للسيطرة على جيرانها والاستيلاء على ثرواتها الاقتصادية من نفط أو معادن نادرة.
وكعادة قيادة البيت الأبيض في تعكير صفو جيرانها، فقد اتخذت ذريعة أمنها القومي وسلامته حجة لمنع التوغل الصيني في المنطقة وهذا الحضور الصيني حتى بشهادة المحللين الأمريكان كان أكثر صدقا وأمنا ونعومة؛ حيث استطاع من خلاله التنين الصيني رسم آفاق تنموية في القارة اللاتينية بمشاريع ضخمة في البنى التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق الاستراتيجية، تنامت معه التبادلات التجارية بين الأطراف وهو ما فشلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية في تسويقها لجيرانها سواء بالتدخلات السافرة والشروط القاسية والتعامل بفوقية مع مصالح وشعوب جيرانها.
