المنتصر الرقيشي
على الرغم من أنَّ تيم مارشال لم يتناول سلطنة عُمان بصورة مُباشرة في كتابه الشهير «The Power of Geography»، إلا أنَّ المنهج الذي اعتمده في ربط الجغرافيا بسلوك الدول يتيح لنا إسقاطًا واضحًا على الحالة العُمانية. فالكتاب ينطلق من فرضية مفادها أنَّ الجغرافيا عامل بنيوي طويل الأمد يحدّد إطار الحركة السياسية والاقتصادية للدول، ويُؤثر في خياراتها الاستراتيجية، وهي فرضية تنطبق على عُمان بدرجة لافتة.
تقع سلطنة عُمان عند ملتقىً بحري فريد يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، وتشارك في الإشراف على مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية. هذا الموقع جعلها تاريخيًا جزءًا من شبكات التجارة العابرة للأقاليم؛ حيث لعبت دورًا محوريًا في الربط بين شرق أفريقيا وشبه القارة الهندية، وأسهمت موانئها في تشكيل اقتصاد بحري قائم على الانفتاح والتواصل، هذا الامتداد التاريخي منح السلطنة عبر التاريخ موردًا استراتيجيًا جرى توظيفه في بناء النفوذ الاقتصادي والسياسي.
إنَّ البعد الجغرافي التاريخي الذي تُشير إليه الفكرة انعكس على تشكّل السياسة الخارجية العُمانية الحديثة، فالكيان السياسي الذي يقع عند ممرات حيوية وتجاوره قوى إقليمية متباينة المصالح جعلها تطوّر نهجًا دبلوماسيًا يقوم على إدارة التوازنات بدل الانخراط في محاور حادة، ويمكن ملاحظة ذلك في أدوار الوساطة التي اضطلعت بها السلطنة في ملفات إقليمية معقّدة، من بينها تسهيل قنوات التواصل في الملف النووي الإيراني، والحفاظ على علاقات مستقرة مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة في آن واحد وهو يتسق مع ما يشير إليه مارشال من أن الدول الواقعة عند نقاط تماس جغرافية حساسة تميل إلى سياسات تقلل من احتمالات الاضطراب في محيطها المباشر.
الجغرافيا العُمانية الداخلية أسهمت بدورها في تشكيل خيارات السياسة العمانية، فالتنوّع التضاريسي بين السواحل المفتوحة والجبال والصحاري فرض تحديات إدارية وتنموية، جعلت الاستقرار الداخلي أولوية مستمرة، جميع هذه المعطيات ساعدت في بناء نموذج سياسي يوازن بين المركزية الإدارية والحفاظ على وحدة الدولة في فضاء جغرافي متباين، وهو ما يتوافق مع أطروحة الكتاب التي تؤكد أن الجغرافيا تؤثر في بنية الدولة بقدر تأثيرها في سياستها الخارجية.
اقتصاديًا، يظهر أثر الجغرافيا بوضوح في التوجه العُماني نحو تعظيم دور الموانئ والمناطق اللوجستية؛ فموانئ صحار والدقم وصلالة مشاريع اقتصادية استراتيجية تهدف إلى تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة مضافة ضمن سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يوضح وجود إدراك لدى صانع القرار بأهمية الموقع البحري الذي يمكنه أن يعوّض محدودية الموارد مقارنة ببعض دول الجوار، ويمنح السلطنة دورًا وظيفيًا متقدمًا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، تفرض الجغرافيا تحديات مستقبلية لا يمكن تجاهلها. فاستقرار مضيق هرمز يظل عاملًا حاسمًا للأمن العُماني، كما أن المنافسة المتزايدة على النفوذ في المحيط الهندي تضع السلطنة أمام معادلات إقليمية جديدة، يضاف إلى ذلك تأثير التغيرات المناخية على السواحل العُمانية، وما تحمله من تبعات اقتصادية وأمنية على المدى الطويل. هذه التحديات تؤكد أن الجغرافيا، رغم كونها مصدر قوة، تظل عامل ضغط يتطلب إدارة مستمرة وحذرة.
إلى جانب كتاب مارشال، تشير دراسات الجغرافيا السياسية لدول الخليج إلى أن الدول الصغيرة أو المتوسطة ذات المواقع المفصلية تميل إلى تعظيم أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية بدل الاعتماد على القوة الصلبة، ويمكن إدراج التجربة العُمانية ضمن هذا الإطار التحليلي، حيث يظهر الموقع الجغرافي عاملًا مفسّرًا لنهج سياسي واقتصادي قائم على الاستقرار والتوازن.
خلاصة القول إن كتاب «The Power of Geography»، رغم عدم تخصيصه فصلًا لعُمان، يقدّم عدسة تحليلية تساعد على فهم الكثير من ملامح التجربة العُمانية. فالجغرافيا هنا لا تُملي السياسات بالتفصيل، لكنها ترسم حدودها وتحدد كلفتها. وضمن هذه الحدود، نجحت عُمان تاريخيًا وحديثًا في توظيف موقعها البحري ومحيطها الجغرافي لبناء سياسة خارجية متزنة ومسار اقتصادي يسعى إلى تحويل الجغرافيا من معطى ثابت إلى مورد استراتيجي طويل الأمد.
