علي عبدالله العرادي **
لم يكن الرابع من مارس لعام 2025 يومًا عاديًا للجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد صوّت ممثلو شعوب العالم على قرار الجمعية العامة رقم A/RES/79/269 بشأن اعتماد الثامن والعشرين من يناير اليوم الدولي للتعايش السلمي، ولم يكن ذلك القرار محل البحث في البند الرابع عشر المعنون ثقافة السلام قرارًا عاديًا؛ بل حدث تاريخي.
وقد شكَّل هذا القرار إنجازًا حضاريًا في ترسيخ قيم الحوار والتعايش بين مختلف الأديان والثقافات، وكرَّس وبشكل فريد مقاصد الأمم المتحدة في إعلاء ثقافة السلام والتفاهم المتبادل، واحترام تنوع البشرية، وتعزيز التكاتف والتضامن، والشراكة بين كافة دول العالم والمجتمعات والمؤسسات والمنظمات والهيئات، من أجل خير ومستقبل الشعوب، وهي ذات الأسس والمبادئ التي جُبلت عليها المسيرة المعطاءة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والتي تعد اليوم منارة مضيئة على خارطة العالم في تعزيز تلك القيم.
والمتأمل لنهج ومسيرة دول وشعوب المنظومة الخليجية عبر عقود طويلة، سيجد بأنها وضعت التعايش والتسامح ركيزتين أساسيتين وقيمتين رئيستين في كافة الرؤي الاستراتيجية والسياسات الحكومية والتشريعات الوطنية، كما سيرى كيف تم تحويل التسامح والتعايش من قيم اجتماعية اصيلة للعيش المشترك، الى سياسيات مؤسسية ومبادرات رسيمة داعمة لتحقيق الازدهار والتنمية والاستقرار، عبر تعزيز قبول الآخر واحترام التنوع الديني والثقافي، ولعل احتضان المجتمعات الخليجية لجنسيات متنوعة واديان مختلفة تعمل معًا بسلام وتآلف لخير مثال على ذلك.
ومن ناحية ثانية، لا يختلف ذلك النهج الحكيم لدول مجلس التعاون على الصعيد الوطني عن سياستها الخارجية الثابتة والرامية إلى تحقيق أمن واستقرار الشعوب، ودفع عجلة التقدم والرخاء والتعاون البناء وإرساء دعائم السلام الإقليمي والدولي والحوار الحضاري والثقافي بين مختلف دول العالم، وذلك عبر مبادرتها الدبلوماسية المتزنة.
وبالعودة إلى الجذور التاريخية التي استمدت منها الشعوب والدول الخليجية نهجها في تعزيز التعايش والتسامح، سنجد وبلا شك أن أهم منبع لها في إدراك وتحقيق ذلك هو سماحة الدين الإسلامي الذي شكّل هويتها الأساسية، بما يحمله من قيم العدل والانصاف، وكذلك اعتبارها وعبر التاريخ حاضنة وملتقى للحضارات المختلفة، ومحور تجاري هام، رسم موقعها الاستراتيجي مسار حيويًا على خارطة التجارة بين الشرق والغرب، ومسرحًا عريقًا للتفاعل والعيش المشترك بسلام وتعاون بين مختلف المعتقدات والثقافات.
وليس بغريب أن نجد قيم التراحم، وتعزيز الحوار والتفاهم بين المكونات المختلفة للمجتمع الخليجي من مواطنين ومقيمين، هي السمة والعلامة الفارقة التي تميز ذلك المجتمع الذي جبل على التعاون واحترام تقاليد الآخرين وعاداتهم.
ومن نافلة القول إنَّ المجتمعات الخليجية المعاصرة، والتي باتت اليوم أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، بتعدديتها ونسيجها الاجتماعي المتباين، واختلاف ثقافات وأصول قاطنيها من مواطنين ومقيمين ينتمون إلى ديانات ومعتقدات وأصول عرقية مختلفة، استطاعت وبنجاح منقطع النظير أن تكون ملاذًا آمنًا ومجتمعًا جامعًا لقيم الحضارة والانفتاح والتعددية، وأن تحافظ في الوقت ذاته على هويتها الوطنية الأصيلة، وذلك عبر تحقيقها الغايات السامية لقيم التعايش والتسامح.
** نائب رئيس مجلس أمناء مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح بالبحرين
