حيدر بن عبدالرضا اللواتي
أنجزت الهند والاتحاد الأوروبي رسميًا في 27 يناير 2026، اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين، والتي توصف بأنها أكبر اتفاقية تجارة حرة أبرمت حتى الآن؛ حيث سيتم خلالها تغطية حوالي ثُلث التجارة العالمية و25% من الناتج العالمي.
لكن ما تأثيرات الاتفاقية على دول مجلس التعاون الخليجي خلال الفترة المقبلة؟ وهل يمكن لها الاستفادة منها في إطار العلاقات الخليجية الهندية الاوروبية؟
التوقيع على الاتفاقية الهندية الأوروبية يأتي في وقت تمر فيه دول العالم بتحديات وصعوبات جيو سياسية واقتصادية ناتجة عن السياسات الأمريكية السلبية تجاه العالم، وتهديد الدول بمختلف الوسائل المتاحة لخلق الفوضى والاضطرابات الداخلية مثل ما حصل مؤخرًا في إيران، مع الاستمرار في الحظر الاقتصادي عليها وعلى الدول التي لا تقبل القرارات والسياسات التي يطلقها ترامب عبر منصات عالمية.
الاتفاقية التجارية بين الهند والاتحاد الأوروبي ليست وليدة الصدفة، لكنها تتويج لعقدين من المفاوضات لإقامة منطقة تجارة حرة تضم ملياري شخص، وتأتي في وقت يتسم فيه الوضع الجيوسياسي بالعديد من التقلبات، وتهدف إلى تمكين الجانبين من حماية نفسيهما بشكل أفضل من المنافسة الصينية وتداعيات الحرب التجارية الأميركية.
البيانات الرسمية للاتحاد الأوروبي تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين من السلع بلغ في عام 2024 نحو 120 مليار يورو، بزيادة تقارب 90% خلال 10 سنوات، إضافة إلى 60 مليار يورو من الخدمات، فيما من المتوقع زيادة حجم التبادل التجاري خلال المرحلة المقبلة إن لم يكون هناك رد سلبي أمريكي تجاه هذا الحدث.
ومما لا شك فيه، أن هناك العديد من الإيجابيات والفوائد الاقتصادية لهذه الاتفاقية؛ تتمثل في: خفض الرسوم الجمركية بشكل كبير بين الطرفين تصل إلى أكثر من 90%، وهذا يعني مضاعفة الصادرات وتوفير حوالي 4 مليارات يورو سنويًا من الرسوم الجمركية لأوروبا. كما ستسهل الاتفاقية دخول الاستثمارات الأجنبية وتقوية التعاون في مجال الخدمات وزيادة فرص الشركات الأوروبية في السوق الهندية بعيدًا عن الاعتماد الكبير على أمريكا والصين، خصوصًا في ظل التحديات في العلاقات التجارية مع أمريكا. وستعمل الاتفاقية على تقوية العلاقات الاستراتيجية والتركيز على التعاون في المجالات التقنية، والبحث العلمي، وحركة العمال المهرة، بجانب الاتفاق على الإطار الأمني أيضًا.
ومن المتوقع أن تترك هذه الاتفاقية آثارًا إيجابية وسلبية على العديد من الدول ومنها دول مجلس التعاون الخليجي من حيث التجارة والاستثمار، وسلاسل التوريد وغيرها. فكما هو معروف فإن دول الخليج تقع في منتصف الطريق الاقتصادي بين الهند كقوة صناعية وسكانية صاعدة، والاتحاد الأوروبي الذي يمثل قوة صناعية وتقنية وتنظيمية. التأثيرات الإيجابية تتمثل في أن منطقة الخليج تعد مركز عبور بين الطرفين، ما سوف يعمل على زيادة التبادل الهندي-الأوروبي في الشحن البحري وضرورة استخدام خدمات أكبر في موانئ المنطقة، مع زيادة العمل في مجالات التأمين والتخزين، وإعادة تصدير؛ الأمر الذي سيترك آثارًا إيجابية على عدة موانئ خليجية كموانئ سلطنة عُمان في الدقم وصحار وصلالة، وميناء جبل علي بالامارات، إضافة إلى موانئ في السعودية وغيرها في المنطقة. ومعظمها مرشحة للاستفادة من ارتفاع حركة التجارة العابرة.
هذا الاتفاق سوف يعزّز من المجالات التجارية والتصديرية، وتنتج عنه فرص في إعادة تصدير المنتجات بين الجانبين؛ حيث ستقوم الشركات الاوروبية بتصدير جزء من البضائع والمنتجات عبر الخليج، أو تُنشئ لها مخازن ومراكز توزيع إقليمية في المنطقة، فيما يمكن للهند بدورها استخدام الخليج لإعادة تصدير منتجاتها لأفريقيا والشرق الأوسط. وعلى هذا الأساس، فإن ذلك سوف يعزز من التصنيع في الهند، ويرفع من درجة التوزيع عبر الخليج، فيما يمكن لأوروبا الاستهلاك والتمويل. كما ستعمل الاتفاقية على جذب استثمارات ثلاثية للهند والاتحاد الاوروبي ودول الخليج؛ حيث من المتوقع أن تتجه شركات أوروبية على إنشاء مصانع ومشاريع مشتركة في الهند من خلال تمويل خليجي وتكنولوجيا أوروبية، وتصنيع وإنتاج هندي منخفض التكلفة؛ الأمر الذي يعطي فرصة للصناديق الخليجية وأجهزة الاستثمار في المنطقة بالدخول في تلك المشاريع.
أما من حيث التأثيرات السلبية لهذه الاتفاقية، فإنها تتمثل في: زيادة المنافسة في التصنيع؛ حيث ستصبح الهند بديلًا صناعيًا أرخص لبعض الصناعات التحويلية في الخليج (الخفيفة والمتوسطة)، خصوصًا في قطاعات المنسوجات، والمنتجات البلاستيكية، والصناعات كثيفة العمالة، بينما تركز دول الخليج على مشاريع الطاقة، والبتروكيماويات، والخدمات اللوجستية وغيرها.
وفي هذا الإطار، يمكن لسلطنة عُمان من خلال اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الهند، تعزيز تواجدها، من خلال إقامة المزيد من المشاريع التجارية والتصديرية التي يمكن زيادة قيمتها الاقتصادية المضافة مستقبلًا، خاصةً في وجود مركز عُمان المالي العالمي الذي يهدف لأن يصبح مركزًا ماليًا واستثماريًا عالميًا، والاسراع من تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة السلطنة كمركز لجذب الاستثمار والخدمات المالية المتقدمة في المنطقة.
هكذا يمكن لبقية دول المجلس الاستفادة من علاقتها بين الطرفين وتوسيع مجالات الاستيراد والتصدير مع العالم مستقبلًا.
