التحديات الوجودية لأمن الخليج

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

النظام العالمي بكل ما يحمل من هيبة وثقل سياسي أصبح على مفترق طرق؛ فالقوانين والمرجعيات الدولية التي تعمل كصمام أمان لحماية الدول وحدودها الوطنية، أصبحت في مهب الريح، وقد انتشرت الفوضى العارمة عبر المعمورة، وساد قانون الغاب والسيطرة المطلقة على أرجاء الكرة الأرضية، لغاية في نفس يعقوب، وهو التحكم بثروات الشعوب الفقيرة منها والغنية على حد سواء، والتي- في واقع الأمر- لم ولن يتحقق لها العدل يومًا ما لأسباب كثيرة بعضها تتعلق بالدولة الوطنية؛ حيث الفساد الإداري والمالي من الأنظمة الدكتاتورية التي تحكمها، وتارة أخرى بسبب الأطماع الأجنبية التي تقودها الإمبريالية الغربية التي تستحضر العصر الاستعماري بكل أبعاده وماضيه المؤلم والأسود، بينما نجد أن الطرفين الداخلي والخارجي قد تقاطعت مصالحهما من أجل تقاسم المصالح والموارد الوطنية على حساب تلك المجتمعات المغلوبة على أمرها.
وإذا نظرنا لحالة الخليج العربي- الذي هو جزء من هذا العالم المليء بالتناقضات- تظهر على السطح تحديات وجودية تتعلق بالنظرة الضبابية لمستقبل المنطقة في ظل المتغيرات العالمية؛ فهناك توجس وخوف من القادم دفع بالحكومات للبحث عن بدائل خارجية للحماية بعيدًا عن الترتيبات الداخلية للأمن القومي الخليجي، الذي يُفترض إعادة صياغته من جديد على أن يتمحور حول نقطتين أساسيتين لا ثالث لهم هما:
الأولى: يجب أن يدرك الجميع أن الذي يحمي الأوطان الخليجية هم أبناء دول مجلس التعاون أنفسهم، وليست القواعد والأساطيل الأجنبية الموجودة في المنطقة، فقد حان الوقت للتخلص من الوجود الأجنبي وتكاليفه المادية الباهظة. ولعلنا هنا نتذكر استهداف دولة قطر الشقيقة من الكيان الصهيوني قبل بضعة أشهر دون أن تُحرِّك تلك القواعد ساكنًا تجاه ذلك العدوان. وبالفعل أكدنا غير مرة أن استقرار المنطقة وتحقيق الأمن الخليجي الدائم مرهون بالاتحاد والعمل كمنظومة واحدة وجيش موحد، من خلال توسيع قوة درع الجزيرة في العدد والعدة وتكون النظرة جماعية كأمن خليجي لجميع الدول.
الثانية: في الشهور الأخيرة، وقَّعت 3 دول خليجية اتفاقيات دفاعية بشكل منفرد دون التنسيق مع الدول الخليجية الأخرى، على الرغم من وجود اتفاقيات دفاعية تشمل أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل جماعي، وهذا يشير إلى عدم الثقة بما تم إنجازه من الجيوش الخليجية على المستوى التدريبي والعقيدة القتالية، والأهم من ذلك أن هذه الدول التي بادرت بعقد اتفاقيات خارجية هي من بين الأكثر إنفاقًا على السلاح في العالم.
يحدث ذلك على الرغم من وجود منظمة إقليمية عمرها أكثر من 46 سنة وتجمع 6 أعضاء متجانسة من حيث نظام الحكم الملكي، وشعوب تحمل قومية عربية، وعقيدة توحيد تحت راية الدين الإسلامي الحنيف، وتاريخ مشترك، وجذور قبلية تُرجع الفروع إلى الأصول. كل ذلك لم يمنع الخلافات والمؤامرات بين الأشقاء، ولم يعد شعار مجلس التعاون العريض المعروف لدى المواطن الخليجي "خليجنا واحد"، يمكن هضمه من المجتمع الخليجي بعد اليوم، فيجب الاعتراف بأن الغاية من قيام مجلس التعاون هو في الأساس تأسيس مظلة أمنية مشتركة بين تلك الدول.
والسؤال المطروح: هل أصبح البيت الخليجي عاجزًا عن مواجهة الأخطار التي تهدد كينونته؟
في واقع الأمر يُمكن تصنيف التحديات في مجالين؛ الأول خارجي ويتمثل في تنامي قوة بعض الدول المجاورة والتي جرت العادة أن تتمدد لجوارها عبر القرون، وكذلك الأطماع الأجنبية بالثروات الخليجية خاصة النفط والغاز والموقع الجغرافي. المجال الثاني: المخاطر الداخلية والتي يمكن النظر إليها بالدرجة الأولى في إرساء العديد من القواعد والمبادئ كنشر العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة، وتوفير فرص العمل للشباب، والمساواة بين أفراد المجتمع؛ بعيدًا عن المحسوبية والواسطة التي يعتقد البعض أنها أصبحت عنوانًا رئيسيًا لعصر النفط، خاصة لمن له صلة بعِلية القوم وأصحاب النفوذ. ولعل البديل الأفضل لذلك هو انتهاج سياسة الانفتاح ومنح الحقوق السياسية لجميع الأفراد في هذه الدول، وخاصةً حرية التعبير، والأحقية في المواطنة التي أصبحت تُستخدم وتسحب بالمزاج من البعض لترهيب الخصوم.
المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع الوقوف في وجه الأعداء من صُنَّاع الحروب والطُغاة وناشري الفتن أينما وجدوا؛ فالمنطقة كلها أصبحت قابلة للانفجار مثل برميل البارود. ونتج عن ذلك استعانة بعض الحكومات الخليجية بدول إقليمية مثل الهند وتركيا وباكستان، وعقد معاهدات دفاع مشترك معها بشكل أحادي، وكأنَّ الأمن الخليجي المشترك غير قابل للتطبيق، وأصبح بذلك الأمن لكل عضو في المجلس خطرًا وجوديًا متجاوزًا كل الخطوط الحمراء.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z