د. محمد بن عوض المشيخي **
تتسابق الأمم في إحراز مراكز متقدمة في إدارة السمعة والنفوذ والتأثير في الساحة الدولية وكسب القلوب والعقول، وبالفعل انشغل العالم منذ عدة عقود بمفاهيم ومصطلحات جديدة تُعبِّر عن أفكار تسويقية للشركات العابرة للقارات التي أسَّست مراكز لجمع المعلومات بهدف السيطرة على الشعوب وتطويعهم لمصلحتها بالدعاية؛ إذ إن آلة الإعلام الدولي- التي تقف خلفها وكالات الإعلان التجارية التي تتخذ من العواصم الكبرى مقرًا لها- قد نجحت بالفعل في ترسيخ ما يعرف بالغزو الثقافي للمجتمعات النامية والتي يطلق عليها الدول الهامشية التي تستقبل أفكار وثقافات دول المركز الغربية.
البداية كانت بالعولمة، ثم مفهوم القوة الذكية Smart power؛ الذي يعني خليطًا من القوة الصلبة والقوة الناعمة معًا؛ وصولًا إلى القوة الناعمة (Soft Power) الذي هو موضوع هذا المقال الذي يمكن وصفه باختصار شديد بأنه "القدرة على الجذب والضم دون إكراه". والقوة الناعمة تُعبِّر عن عدة عناصر تخضعها شركات التقييم للدراسة؛ وأهمها: سمعة الدولة وتأثيرها ومكانتها بين دول العالم من حيث الثقل السياسي، وطبيعة القيادة العليا التي يفترض منها محاربة الفساد وتطبيق معايير النزاهة والعدالة ومنح الحقوق للمواطنين دون نقصان. كما يفترض من الحكومة التي ترغب في إحراز مركز متقدم، أن تكون لها سياسة ومنهجية وأهداف واضحة المعالم، على أن يخضع كل ذلك للحوكمة والمراقبة من جهات محايدة خارج المنظومة الرسمية. ثم يأتي بعد ذلك الإعلام والتعليم؛ باعتبارهما من أهم المقومات التي تعكس المستوى الفكري والثقافي لتقدم المجتمع. بينما تشكل الإمكانات الاقتصادية المتمثلة بقوة العلامات التجارية، والاستدامة المالية والاختراعات العلمية قطب الرحى للاستقرار والرخاء الاقتصادي. وأخيرًا الإرث الحضاري والهوية الوطنية للأمة اللذين يعكسان القدرة على الجذب والسيطرة الطوعية والرغبة الأكيدة دون إكراهٍ.
من هنا بدأت مراكز الدراسات ترصد القوة الناعمة لدول العالم وتضع درجات ومعايير علمية لتقييم هذه القوة المتعاظمة. وأحدث هذه الإصدارات دراسة مركز "براند فاينانس" الذي يُصدر تقريره مطلع كل عام؛ ويتخذ من العاصمة البريطانية مقرًا له ويتبعه 20 فرعًا في مختلف دول العالم، وفرع الشرق الأوسط مقره في مدينة أبوظبي ويتولى دراسة دول الإقليم. وقد كشف التصنيف- الذي يضم 193 دولة طُبِّقت فيها الدراسات- مؤشر القوة الناعمة الدولية لعام 2026؛ حيث تصدرت الولايات المتحدة هذه القائمة، بينما احتلت الصين الشعبية المركز الثاني. أما دول مجلس التعاون فقد أحرزت 3 دول منها مراكز متقدمة بذلك على كل الدول العربية، بينما أتت سلطنة عُمان في المركز 51 على مستوى العالم متراجعة عن العام الماضي بنقطتين!
والسؤال المطروح الآن: كيف نُدير ملف القوة الناعمة العُمانية بحكمة واقتدار؟!
لا شك أن عُمان تستحق مركزًا مُتقدِّمًا بين دول المنطقة، بالتأكيد لم ينصفنا هذا الاستطلاع الذي طُبِّق على 170 ألف شخص حول العالم بحيث تُشكِّل آراء هؤلاء المبحوثين 90% من النتيجة النهائية؛ بينما خُصِّصت 10% للخبراء. ومن هنا فإن سلطنة عُمان تملك مفاتيح التفوق في كل المجالات، إذا ما أحسنَّا استخدام ذلك بنجاح وتقديمه بشكل جيد للآخرين في هذا العالم؛ فهناك مقومات فريدة للقوة الناعمة العُمانية، وعوامل جذب قوية؛ لم تُستغل بالشكل المطلوب حتى الآن؛ بسبب عدم نجاحنا في توصيل ما يزخر به هذا البلد من كنوز حضارية وإرث تاريخي عريق، وسياسة داخلية وخارجية مُتزنة شعارها السلام إلى العالم الخارجي.
عُمان تميزت بسمعة فريدة على مستوى هذا الكوكب، ودبلوماسية هادئة عرفت بالسيطرة على الصراعات الدولية وإطفاء الحرائق بين المتخاصمين؛ فليس باي حال من الاحوال مكانها الترتيب الأخير بين الدول المجاورة. ولعل نجاح السلطنة في تحقيق السلام في العديد من الملفات يعكس تنامي قوتها الناعمة، والاهم من ذلك كله وجود قيادة عُمانية ذات ثقل سياسي يُشار لها بالبنان على مستوى العالم؛ فعند تتأزم الأمور في الإقليم- بل وفي كثير من الدول العالم- الكل يتذكر عُمان وقيادتها الحكيمة، بينما ينظر الجميع للمجتمع العُماني باعتباره نموذجًا للاعتدال والتعايش السلمي مع الاخرين في هذا الإقليم الملتهب، فقد سجَّل لنا التاريخ فصولًا مُضيئة من المجد الذي يُكتب بماء من ذهب، فقد نجح العُمانيون عبر تاريخهم العريق في تصدير كنوز لا تقدر بثمن في تنوير البشرية، وفي مقدمة هؤلاء الرموز الشاخصة: الخليل بن احمد الفراهيدي والبحّار العُماني أحمد بن ماجد، والإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي، وغيرهم من العلماء الذين ملأوا الدنيا علمًا ونورًا وعدلًا.
وفي الختام.. لكي نأخذ بالأسباب ونُبرز قصة نجاح الشعب العُماني في التنمية الشاملة وحضورنا البارز في المحافل الدولية؛ حان وقت لتشكيل لجنة وزارية من أهل الحل والعزم والإرادة لإدارة ملف القوة الناعمة العُمانية وإبراز مفاتيحها ومنجزاتها التي ربما غابت عن القائمين على البحوث في المراكز المعنية بتصنيف السمعة، والأهم من ذلك كله الاطلاع عن قرب على الأسباب التي جعلت السلطنة تحتل هذا المركز المتأخر؛ فلعنا نتذكر مقولة المفكر الأمريكي رالف والدو إمِرسون: "العالم باسره يفسح الطريق لمن يعرف ماذا يريد". ونؤكد أن إطلاق قناة فضائية عُمانية أصبحت من الأولويات في المرحلة المقبلة؛ فالدول الخليجية التي أحرزت الثلاثة مراكز الأولى كلها تملك قنوات فضائية عزَّزت القوة الناعمة في تلك الدول وهي: قطر (الجزيرة)، المملكة العربية السعودية (العربية)، والإمارات العربية المتحدة (سكاي نيوز).
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
