ريم الحامدية
بدأ يومي عند السابعة صباحًا، والعاصمة تصحو على وقع خُطوات مُبكِّرة وحديث عهد جديد، والهواء يحمل رائحة الفجر، وهناك في أقصى جنوب عُمان تستيقظ المدينة بخجل، نصف نائمة، ونصف متلهفة.. انطلقتُ نحو العمل الذي بدأ بملتقى صحفي لإحدى الوزارات؛ حيث هَمْس الحضور، وضجيج الكاميرات، ولغة الأرقام تملأ المكان بطاقة لا تهدأ، ثم إلى موعد عمل رسمي، ثم المكتب؛ حيث الأوراق تتكدس، والاجتماعات تتوالى، وأخبار العالم تتدفق بلا توقف، كل شيء يندفع بسرعة، وكل لحظة تتسلل بين أصابع الوقت، وكأنَّ الساعة تلاحقنا بلا هوادة.
وفي منتصف شارع مدينة الإعلام، رنَّ هاتفي. اتصال قصير، بسيط، حديث عن يوم يمُر بسرعة البرق، عن مهام ومواعيد تتوالى ثم فجأة، بلا مقدمات، جاءت الكلمات "أحتاج وقتًا لنفسي، بعيدًا عن كل شيء". كلمات قصيرة، لكنها كانت المفتاح، الذي فتح باب فكرة كبيرة، فكرة لمست أرواحنا جميعًا دون أن نشعر أحيانًا بأهمية الوقت المستقطع.
الوقت المستقطع هو دقائق ولربما ساعات، بسيطة لكنها عميقة، نبتعد فيها عن كل شيء عن العمل، عن المواعيد، عن الضغوط، وحتى أحيانًا عن أنفسنا المنشغلة. هو حق علينا أن نعيشه، وفرصة لاستعادة الروح، وترتيب الأفكار، وإعادة شحن الشغف الذي قد يضيع بين روتين الحياة المتسارع، ليس ترفًا، بل ضرورة، ومساحة لنعود فيها إلى أنفسنا بعين أكثر صفاء وقلب أكثر خفة، وعقل أكثر وضوحًا.
قد يكون ساعة قصيرة على شرفة تطل على المدينة؛ حيث تهُب الرياح، فتُداعِب أحاسيسنا وأفكارنا، وتخبرنا أنَّ الحياة مستمرة رغم ضجيجها. قد يكون دقائق من صمت أمام نافذة، أو نزهة قصيرة بلا هاتف، بلا رسائل، بلا مواعيد، مجرد مساحة لنفكر، ولنتنفس، ولنشعر. حتى فنجان قهوة وحيد يُمكن أن يكون رحلة صغيرة إلى الداخل، رحلة لإعادة اكتشاف الذات، وشحذ الهمم، ولإعادة ترتيب الأولويات قد تكون لحظة قصيرة، لكنها كافية لتغيير المزاج، لتفتح العقل، لتمنح اليوم معنى حقيقيًا.
تخيَّل أن يصبح للوقت المستقطع مكانًا في حياتنا اليومية، أن نحمي هذه اللحظات، نقدرها، دون لوم أو شعور بالذنب، فخمس دقائق في اليوم، وعشر دقائق غدًا، وساعة لاحقًا… تتحول إلى عادة، وعادة إلى ثقافة، وثقافة تمنحنا القدرة على العيش بوعي أكبر، على إعادة اكتشاف أنفسنا، وعلى الشعور بالامتنان لكل لحظة نمنح فيها أنفسنا هذا الحق البسيط والعميق.
تكمن قوة الوقت المستقطع في أنه ليس مجرد توقف عن العمل، بل توقف عن ضجيج العالم من حولنا، لحظة لنكون وحدنا مع أنفسنا، نستعيد فيها شغفنا، نتأمل ما مضى، ونستعد لما سيأتي. إنه فضاء صغير لكنه ممتد، يمتد في النفس كما يمتد في اليوم، يتيح لنا أن نعيد ترتيب حياتنا بعين أكثر صفاءً، وقلب أكثر خفة، ونظرة أعمق لكل ما حولنا.
وفي النهاية، الوقت المستقطع هو سؤال مفتوح، ولحظة حُرة بلا إجابات جاهزة، ومكان نسمع فيه أنفسنا فقط، ونراقب أنفاسَنا، ونغلق كل مصادر الضوضاء، ونتأمل العالم من الداخل قبل أن نعود إليه. لحظة تمنحنا الحق في التوقف، الحق في أن نكون مع أنفسنا… ونسأل: ماذا سنكتشف عن أنفسنا في كل لحظة مستقطعة نمنحها لأنفسنا؟
للمُتَّصِل الأحب الذي ألهمني فكرة المقال وللقارئ العزيز أينما كنت أقول لك: توقَّفْ، واستقطع وقتًا لنفسك، الحياة هنا معك، ومع اللحظة التي تختار أن تكون لك وحدك!
