جان يعقوب جبور
في 14 شباط/ فبراير 2005، لم يُغتل الرئيس رفيق الحريري فحسب، بل دخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه السياسي. الانفجار الذي هزّ كورنيش بيروت وأودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الراحل مع 21 آخرين، لم يكن حدثًا أمنيًا معزولًا؛ بل تحوّل إلى نقطة تحوّل كبرى أعادت تشكيل الاصطفافات الداخلية، وأطلقت مسارًا سياسيًا ما زالت تداعياته مُستمرة حتى اليوم.
بعد أكثر من عقدين على الاغتيال، يطرح سؤال مشروع نفسه: هل ما زالت ذكرى 14 شباط مُناسبة وطنية جامعة، أم تحوّلت إلى أداة في الصراع الحزبي والانتخابي والمذهبي؟
من الصدمة إلى الانتفاضة (2005)
أدّى اغتيال الحريري إلى انفجار سياسي وشعبي؛ ففي 14 آذار/مارس 2005، احتشد مئات الآلاف في ساحة الشهداء في تظاهرة غير مسبوقة عُرفت لاحقًا بـ«ثورة الأرز» أو «انتفاضة الاستقلال». رفعت التظاهرة شعار إنهاء الوصاية السورية، وبعد ضغوط داخلية ودولية، انسحب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان/أبريل 2005، منهيًا وجودًا عسكريًا بدأ عام 1976. في تلك اللحظة، بدت ذكرى 14 شباط/ فبراير أقرب إلى حدث وطني جامع. ضمّ تحالف «14 آذار» الذي تشكّل لاحقًا قوى متنوعة: تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط، القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، وشخصيات مسيحية وإسلامية مستقلة. في المُقابل، نظّم «حزب الله» وحلفاؤه تظاهرة في 8 آذار/مارس 2005 تحت شعار «شكرًا سوريا»، ما أسّس لانقسام سياسي عمودي بين فريقي 8 و14 آذار. في الانتخابات النيابية التي جرت بين أيار وحزيران 2005، استُثمرت ذكرى الاغتيال في الخطاب الانتخابي تحت عنوان «استكمال الاستقلال» و«العدالة لرفيق الحريري»، وفازت قوى 14 آذار بأكثرية نيابية. في تلك المرحلة، كان التوظيف السياسي للذكرى جزءًا من معركة سياسية مفتوحة حول السيادة ودور سوريا في لبنان، ولم يكن يُنظر إليه كاستغلال فئوي بقدر ما كان امتدادًا لصراع سياسي حاد.
المحكمة الدولية وتثبيت السرديات (2007–2020)
مع إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بقرار مجلس الأمن الرقم 1757 بتاريخ 30 أيار/مايو 2007، دخلت الذكرى مرحلة جديدة. أصبحت 14 شباط منصة سنوية لتجديد المطالبة بالحقيقة والعدالة. كان خطاب تيار المستقبل وحلفائه يركّز على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الاغتيال، فيما اعتبر حزب الله المحكمة مسيّسة منذ انطلاقها. في 18 آب/أغسطس 2020، أصدرت المحكمة حكمها، فأدانت سليم عياش غيابيًا بتهمة التورط في الاغتيال، وبرّأت ثلاثة متهمين آخرين لعدم كفاية الأدلة. لم تُدن المحكمة قيادة حزب الله ولم تتهم الدولة السورية رسميًا. بعد صدور الحكم، بدا أن الملف القضائي وصل إلى خاتمته السياسية، لكن من دون أن يحقق إجماعًا وطنيًا. هنا بدأت الذكرى تفقد بعدها الجامع. فبين من رأى في الحكم تثبيتًا لسردية سياسية، ومن اعتبره قرارًا مسيّسًا، تحوّلت المناسبة إلى محطة لتكرار المواقف نفسها، أكثر مما كانت مساحة جامعة للحزن الوطني.
من التسوية إلى الانكفاء (2016–2022)
شكّل انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2016، بدعم من سعد الحريري، نقطة انعطاف أخرى. جاءت التسوية الرئاسية نتيجة توازنات داخلية وإقليمية، وأدت إلى خفض منسوب التصعيد السياسي بين القوى الأساسية. انعكس ذلك مباشرة على خطاب 14 شباط، الذي أصبح أقل حدّة تجاه حزب الله، وأكثر تركيزًا على الإرث الاقتصادي والإنمائي للرئيس الراحل. لكن لبنان دخل بعد ذلك في واحدة من أسوأ أزماته. اندلاع احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ثم إعلان الدولة في 7 آذار/مارس 2020 التوقف عن سداد سندات اليوروبوند، وأخيرًا انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، كلها أحداث غيّرت أولويات اللبنانيين. باتت هموم الانهيار المالي والمعيشي تتقدم على الذاكرة السياسية.
وفي 24 كانون الثاني/يناير 2022، أعلن سعد الحريري تعليق عمله السياسي وعدم خوض الانتخابات النيابية التي جرت في 15 أيار/مايو 2022. هذا القرار أثّر جذريًا على شكل ذكرى 14 شباط. غابت القيادة المركزية التي كانت تنظّم الاحتفال السنوي، وتراجعت الحشود، وتحوّلت المناسبة إلى لقاءات رمزية محدودة.
بين الوفاء والاستثمار
لا يمكن إنكار أن ذكرى 14 شباط استُخدمت في محطات متعددة في سياقات انتخابية وسياسية. في نظام طائفي يقوم على التعبئة الجماهيرية، تتحوّل المناسبات إلى أدوات تثبيت هوية وتحشيد. استُخدمت الذكرى لتأكيد تمثيل سياسي داخل البيئة السنية، ولترسيخ سردية «المشروع السيادي» في مواجهة «المحور الآخر». لكن في المقابل، من التبسيط اختزال المناسبة في كونها أداة انتخابية فحسب. رفيق الحريري كان رئيس حكومة لسنوات طويلة منذ عام 1992، وارتبط اسمه بإعادة إعمار وسط بيروت، وبمرحلة إعادة إدماج لبنان في الاقتصاد الإقليمي والدولي بعد الحرب الأهلية. بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، يمثّل 14 شباط لحظة فقدان شخصية سياسية كان لها حضور وازن في مسار الدولة.
ولكن- يا للأسف- اليوم، لم تعد ذكرى 14 شباط مناسبة جامِعة على المستوى الوطني كما كانت في عام 2005. القوى السياسية التي تختلف جذريًا في رؤيتها لدور سلاح حزب الله، أو لطبيعة العلاقات الإقليمية، لا تلتقي حول سردية واحدة للحدث. كما أن الجيل الجديد الذي خرج إلى الشارع في 17 تشرين 2019 يحمل أولويات مختلفة، ويرى في مجمل الطبقة السياسية مسؤولية عن الانهيار، بما فيها القوى التي تصدّرت مشهد 2005.
ومع ذلك، تبقى الذكرى جزءًا من الذاكرة السياسية اللبنانية. هي ليست مناسبة رسمية جامعة، وليست كذلك مجرد طقس حزبي مغلق. إنها مرآة للانقسام اللبناني نفسه: بين من يرى فيها رمزًا لمشروع سيادي تعرّض للاغتيال، ومن يعتبرها محطة استُثمرت لإعادة رسم موازين القوى الداخلية. في لبنان، الذاكرة ليست حيادية. كل حدث كبير يتحوّل إلى ساحة صراع على المعنى. و14 شباط ليس استثناءً. بين الحنين إلى لحظة وطنية جامعة عام 2005، والواقع المنقسم في 2026، تبقى الحقيقة أن اغتيال رئيس حكومة في وضح النهار سيظل حدثًا يتجاوز الحسابات الانتخابية، حتى لو لم يعد قادرًا على توحيد اللبنانيين كما فعل ذات يوم. فهل يراجع أحزاب السلطة حساباتهم من هذا الحدث الكبير ليكونوا جامعين لكافة الأطياف اللبنانية بدل من تموضعهم بمحاور خارجية تؤدي إلى تفتيت الوطن وتهجير ما تبقى من اللبنانيين داخليًا وخارجيًا؟
