أُلفة النعم.. عندما تصبح الكنوز عادية في عيوننا

 

 

 

سالم بن حمد الحجري

 

في زحمة الحياة وسرعة إيقاعها، يعيش الإنسان محاطًا بسيل من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، لكنه- وللمفارقة- نادرًا ما يتوقف ليتأملها أو يشعر بقيمتها الحقيقية.. إنها ظاهرة "أُلفة النعم"، تلك الحالة النفسية التي تحوّل أعظم العطايا إلى أمور عادية مُسلَّم بها، فلا يدرك الإنسان قيمتها إلا حين تغيب عنه.

تخيل معي إنسانًا يستيقظ كل صباح، يفتح عينيه على نور الشمس، يتنفس الهواء دون عناء، يمشي على قدميه، يسمع زقزقة العصافير، يشرب الماء البارد حين يعطش، كل هذه النعم الجليلة تحدث بصمت، بلا ضجيج، فتمر مرور الكرام دون أن تترك في نفسه أثرًا من الامتنان أو الشكر. المشكلة ليست في غياب النعم، بل في حضورها الدائم الذي يجعلها تذوب في خلفية الوعي، فالعين التي ترى، واليد التي تتحرك، والعقل الذي يفكر كل هذه معجزات حقيقية، لكن استمراريتها تسلبها بريقها في نظرنا.

"الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلّا المرضى" هذه الحكمة الخالدة تلخص أُلفة النعم في أبهى صورها، كم من إنسان يملك جسدًا مُعافى، لا يشكو من ألم في ظهره، ولا صداع في رأسه، ولا ضيق في تنفسه، لكنه يمضي يومه ساخطًا متذمرًا من أمور تافهة، ثم يأتي يوم يزور فيه مستشفى، يرى فيه المرضى على الأسرّة البيضاء، بعضهم يتمنى أن يمشي خطوة واحدة، وآخر يحلم بأن يأكل لقمة دون ألم، وثالث يتوق لنفس واحد بلا أنبوب أكسجين. حينها فقط يدرك أن ما كان يعتبره عاديًا هو في الحقيقة كنز لا يُقدر بثمن.

وفي عالم تشتعل فيه الحروب، وتنتشر فيه الكوارث، هناك نعمة عظيمة يعيشها الملايين دون أن يشعروا بها: نعمة الأمان، أن تنام في بيتك دون خوف من قصف أو غارة، أن يذهب أطفالك إلى المدرسة ويعودون سالمين، أن تمشي في الشارع دون أن تقلق على حياتك، هذه نعمة جليلة يعيشها كثيرون كأنها حق مكتسب، بينما الشواهد والأمثلة تكاد لا تخلو منها صفحات الحياة اليومية ولا وسائل الاتصال والإعلام المختلفة، التي تنقل مآسي الشعوب ومعاناتهم من الحروب وويلاتها.

وكم من إنسان يعيش بين والديه، يراهما كل يوم، لكنه لا يجد وقتًا لحديث معهما، أو جلسة حميمة، أو كلمة حب صادقة؟ إنه يظن أنهما سيبقيان إلى الأبد، فيؤجل البر والإحسان إلى “وقت لاحق” لا يأتي أبدًا.

ثم يأتي يوم الفراق، فيقف أمام القبر محطمًا، يتمنى لو يعود الزمن ليقبّل يد أمه، أو يجلس ساعة مع أبيه، أو يقول لهما كلمة “أحبكما” التي ظل يؤجلها. حينها يدرك أن أعظم النعم كانت في تلك اللحظات العادية التي لم يعرها اهتمامًا.

لكن لماذا نألف النعم؟

علماء النفس يفسرون هذه الظاهرة بما يسمى "التكيف الحسي (Hedonic Adaptation)"؛ حيث يتعود الدماغ البشري على المحفزات المستمرة فيتوقف عن الاستجابة لها بنفس القوة؛ فالنعمة حين تصبح جزءًا من الروتين اليومي، تفقد قدرتها على إثارة مشاعر الامتنان والتقدير، لكن المشكلة الأعمق ليست بيولوجية فقط، بل هي أخلاقية وروحية، إنها تكمن في انشغال الإنسان بما لا يملك، وتجاهله لما يملك، إنه يركض وراء السراب، بينما الواحة الحقيقية تحيط به من كل جانب.

وهناك ظاهرة نفسية مثيرة للاهتمام، فالإنسان لا يشعر بقيمة النعمة إلا حين تُنتزع منه، ولو مؤقتًا. فمن صام يومًا طويلًا، يعرف قيمة لقمة الطعام وجرعة الماء. ومن سافر بعيدًا عن أهله، يعرف قيمة لمة العائلة، ومن أصيب بمرض ثم شُفي، يعرف قيمة العافية والشفاء.

الصيام ليس فقط عبادة، بل هو مدرسة لتقدير النعم، جرّب أن تحرم نفسك طوعًا من بعض المباحات لفترة قصيرة مثل الهاتف، الإنترنت، الطعام المفضل؛ لتعيد اكتشاف قيمتها، فيا أيها الإنسان، انظر حولك الآن؛ أنت تقرأ هذه الكلمات، معنى ذلك أن عينيك تبصران، وعقلك يفهم، وأنت في مكان آمن يتيح لك القراءة، هذه وحدها ثلاث نعم عظيمة يحرم منها الملايين.

لديك أحباب تتصل بهم متى شئت وطعام تأكله حين تجوع سقف يحميك من الحر والبرد وبدن سليم لا يشكو الأمراض، كل هذه معجزات حقيقية، لكن أُلفتها جعلتك لا ترى إلا ما ينقص. تذكر أن الحياة قصيرة، والنعم زائلة، والفرص لا تتكرر، لا تنتظر حتى تفقد نعمة لتعرف قيمتها، لا تنتظر حتى يمرض أحدهم لتزوره، أو يموت لتبكيه، أو يغيب لتشتاق إليه.

ابدأ اليوم، الآن، في هذه اللحظة: افتح عينيك على النعم المحيطة بك، قَبِّل يد والديك إن كانا على قيد الحياة. أو ادع لهما بالرحمة، احتضن أطفالك.، اشكر من يخدمك، ابتسم لمن يحبك، تذوّق طعامك، استنشق الهواء بعمق، وانظر إلى السماء بتأمل.

لا تدع أُلفة النعم تسرق منك فرصة الشعور بالامتنان، فالامتنان هو مفتاح السعادة الحقيقية، والإنسان الشاكر هو الإنسان السعيد، مهما كانت ظروفه وتذكّر: النعمة التي لا تُشكر، تُسلب، والقلب الذي لا يمتن، يُحرم.

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

فلنبدأ التغيير من داخلنا، من طريقة نظرنا إلى الحياة، من قدرتنا على رؤية الكنوز التي نملكها قبل أن نبحث عمَّا ينقصنا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z