عقيل بن عمران.. سيرة علم وأثر باقٍ

 

 

زين الحداد

 

عندما نكتب عن الشخصيات التاريخية التي كان لها دور كبير في مجتمعاتها وأثر عميق في وجدانها، فإننا نسلّط الضوء على محطاتٍ مفصليةٍ أسهمت في تشكيل التاريخ. وحقُّ السلف على الخلف أن يذكروا مآثرهم ويُحيوا ذِكرهم؛ ليكونوا قدوةً للأجيال من بعدهم، وتحفيزًا لمن رغب في اللحاق بهم والتعلق بسيرتهم العطرة والسير على نهجهم، "فإن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا، إن التشبه بالكرامِ فلاح".

وعندما نُقَلِّبُ صفحاتِ التاريخِ العلميِّ في ظفار، يبرزُ نجمُ عَلَمِ الأعلام، الجبلِ الشامخِ، أبو المواهب، العلامة الفقيه شيخِ الإسلام السيِّد الحبيب عقيل بن عمر باعمر الشهير بـ(بن عمران)، الذي عاش في القرن الحادي عشر الهجري؛ حيث وُلد في الرباط (ظفار) سنة 1001هـ، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن طريق الإمام محمد بن علي صاحب مرباط.

وبدأ في تعلُّم العلوم الشرعية في صغر سنه، ثم ارتحل إلى حضرموت واليمن ومكة والمدينة للاستزادة من العلم وطلبًا للإجازة والسند، فشيوخه كثيرون في بلاده وفي تلك البلدان التي ارتحل لها. ثم عاد إلى وطنه ونصب نفسه لنفع الأنام، وعقد الدروس العلمية في الفقه والعقيدة والتفسير والحديث والسلوك واللغة وغيرها من الفنون، فأصبح منارةً للعلم يقصدها كل طالب علم من البلاد وخارجها، فانتفع به الكثير، وكان من أبرز تلاميذه؛ أبناؤه أحمد وطه وزين العابدين، وابن عمه السيد عمر بن علي باعمر وابنه علي، وقاضي ظفار الشيخ عمر بارجاء الشهير بـ(الخطيب)، والشيخ محمد العفيف وأخوه الشيخ أبوبكر العفيف، والشيخ أحمد حاسكي بن الشيخ سعد والسيد محمد بن أبوبكر الشلي.

كما ألَّف العديد من المؤلفات النافعة، منها: «فتح الكريم الغافر في شرح جلبة المسافر»، و«منتخب الزهر والثمر في غريب الأثر». وفي مؤلفاته من العلوم والفرائد والفوائد ما يشبع رغبات السالكين، وله عدة منظومات تعليمية مفيدة في العقيدة، وفي علم الفرائض، وغيرها. وربما فُقِدَت مجموعةٌ منها بسبب قِلَّة الاهتمام بالتدوين والنسخ في الفترة السابقة، وضعف المحافظة على المخطوطات والآثار، أو بقائها بين الخزائن المغلقة والبلاد البعيدة. فلعلَّ الله يهيِّئ من يجد ويُبرز هذه النفائس والكنوز المخفية.

ومع تلك العلوم الواسعة، تميَّز الحبيب عقيل بجاهٍ واسعٍ وصيتٍ شاسع، فكان مقصدَ الوافدين والزائرين، وحرزًا آمنًا للخائفين، يُكرم الضيفانَ، ويكسو المحتاجَ، ولا يردُّ سائلًا، جميلَ الخصال، فحاز المكانةَ في القلوب.

والذي يدعونا إلى التفكّر بعد مضيِّ أربعة قرون: ما السبب الذي أبقى ذكر هذه الشخصية حاضرًا، متداولًا، ومبجَّلًا إلى اليوم، يفتخر به بنوه ومحبوه؟ أليس هو العلم، والاهتمام به، وبذله للناس؟ قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهو استفهامٌ إنكاريٌّ يُفيد نفيَ الاستواء واستحالته؛ إذ لا يستوي من عاش بعلمه فانتفع به الناس، ومن انقطع أثره بانقطاع حياته. ومن هنا كان العلم سببًا في خلود الذكر، وبقاء الأثر، وامتداد السيرة عبر الأجيال، فحُفِظ اسمُه بما نشره من علم، لا بما امتلكه من جاهٍ أو مال.

وتوفي السيد عقيل عام 1062هـ، ودفن في الرباط، بعد أن خلّف تاريخًا مشرّفًا تفخر به الأجيال، ومنهجًا علميًا وسطيًا متوشّحًا بالتزكية والسلوك. بنى له أحفاده مسجدًا سمي باسمه في صلالة الشرقية، وإن من الوفاء لهذا الإرث العلمي أن يواصل محبّو هذه المدرسة السير على نهجها، والانشغال بطلب العلم النافع بمختلف فنونه وآلاته، إذ به تُصان القيم وتُبنى المجتمعات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z