الهوية واللغة: الثقافة لا الإثنية

 

 

عيسى الغساني

الفرد والمُجتمع والدَّولة مثلثٌ يُنتج علاقةً تبادليةً تحكمها منظومة من القيم والمبادئ المشتركة؛ بعضها ثابت كالقيم الأخلاقية الجوهرية، وبعضها مُتغيّر ومُتجدّد كقيم التعايش والاحترام المتبادل بين مكوّنات المجتمع. وتسهم هذه القيم في تكوين ذاتٍ فرديةٍ واعية، مدركةٍ لذاتها ولدورها داخل البنية الاجتماعية، وقادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها.

ومع نشأة الدولة الوطنية في أوروبا عقب "صلح وستفاليا" عام 1648، الذي أنهى الحروب الدينية وأرسى مبدأ سيادة الدولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، برز مفهوم الهوية الوطنية بوصفه مفهومًا سياسيًا حديثًا. وفي اللغة العربية، تقابل كلمة «الذات» مفهوم الهوية؛ حيث تتمحور حول أسئلة الوجود والانتماء: من أنا؟ ومن نحن؟ وأين نقف في مسار التاريخ؟ أي: منظومة التشابه والتماثل والخصائص المعنوية المشتركة بين الأفراد، بما يشمل أنماط التفكير وأساليبه؛ إذ إن توافق هذه الأنماط يؤسّس لهويةٍ جامعة، بينما يؤدّي تضاربها إلى تآكل المشترك القيمي والفكري وظهور بؤر الخلاف.

وليس جديدًا القول إن اللغة، في مفرداتها وتجلياتها وقيمها الرمزية، تؤدّي دورًا حاسمًا في تشكيل الهويات، وقد تكون في الوقت نفسه أداة لتشظّيها. فاللغة قد تُستَخدم لإنتاج هويات فردانية أحادية، تُسخَّر لخدمة مصالح ضيّقة تسعى إلى الهيمنة على الفضاء اللغوي وصناعة شرعيات زائفة عبر وسائل الإعلام، وأحيانًا بدعمٍ من قوى خارج السياق الثقافي الحقيقي للمجتمع.

وتتجلّى الهوية الثقافية بوصفها الإطار الذي يؤكّد القيم المشتركة والتماثل في الرؤى والمواقف، وهي مجموع التصوّرات والمشاعر الفردية والجمعية المرتبطة بالتركيب العقلي والوعي المتراكم. وفي هذا السياق يقدّم إدوارد تايلور تعريفًا تأسيسيًا للثقافة باعتبارها «ذلك الكلّ المركّب الذي يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات، وكل ما يكتسبه الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع». وبناءً عليه، تغدو الهوية نتاجًا ثقافيًا مكتسبًا، لا معطًى إثنيًا مغلقًا، تتشكّل عبر التاريخ والواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهي في الوقت ذاته حالة تطلّع جماعي قابلة للتغيّر والتجدد، مهما بدا ثباتها الظاهري.

وإذا كانت الهوية بناءً ثقافيًا تراكميًا لا حقيقةً إثنية، فإن الإنسان لا يُعرَف بدمه أو عِرقه، بل بالمنظومة التي ينتمي إليها: لغةً، وقيمًا، ورموزًا، وذاكرةً جمعية. فاللغة عنصر جامع يتشكّل عبر الزمن، ويتجاوز الحدود الجغرافية، ويحمل آثار التفاعل الإنساني والحضاري.

وتدعم هذه الرؤية مقولة ابن خلدون حين يؤكّد أن «اللغة من جملة الملكات الصناعيّة التي تحصل للإنسان بالممارسة والمعاشرة»، بما يعني أن اللغة تُكتسب بالتفاعل الاجتماعي والعيش المشترك، لا بالانتماء العِرقي. فاللغات المنسوبة إلى الأمم لا تعبّر عن نقاءٍ عِرقي، بل عن مسارٍ تاريخي وثقافي طويل.

ومن ثمّ، فاللغة ليست إثنية تختزل الهوية وتحولها إلى أداة إقصاء وصراع، بل ثقافة حيّة ومعايشة مستمرة، تفتح المجال لفهمٍ أعمق للإنسان والتاريخ. وعلى هذا الأساس، فإن كل من يتحدث العربية معايشةً وانخراطًا ثقافيًا يُعد عربيًا ثقافةً؛ فالعربية ليست إثنية، بل أفقًا حضاريًا جامعًا.

وعليه، فإن الهوية في جوهرها ليست منتجًا إثنيًا أو عِرقيًا، بل مشروعٌ ثقافي مفتوح، تُعد اللغة عنصره الجوهري وقاطرة التفاعل الإنساني الخلّاق عبر الزمن؛ فالأمم لا تُبنى بالدم، بل بالمعنى، ولا تتماسك بالإثنية، بل بثقافة جامعة قادرة على احترام التنوع وتحويل الاختلاف إلى ثراء لا إلى انقسام.

وتتميّز اللغة العربية بحضورٍ ثقافي وأخلاقي عميق، مستمدٍّ من ثرائها البنيوي وقدرتها الفريدة على الاشتقاق والتوليد، ما مكّنها من حمل المعرفة وصناعة المعنى عبر العصور. وقد حفظت العربية منظومة من القيم الإنسانية المشتركة، كالعدل والصدق والكرامة الإنسانية والمسؤولية، وهي قيم ذات دلالات شكّلت وعيًا إنسانيًا وسلوكًا حضاريًا، وجعلت من اللغة وعاءً للأخلاق بقدر ما هي أداة للتواصل.

 

الأكثر قراءة

z