مسعود أحمد بيت سعيد
أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على ارتكاب جريمة سياسية مكتملة الأركان بحق فنزويلا، من خلال تنفيذ عملية قرصنة دولية صارخة تمثلت في اختطاف رئيسها المنتخب، نيكولاس مادورو، ضمن عملية إرهابية لا تزال تفاصيلها غامضة حتى الآن.
وبهذا السلوك الإجرامي، تكون واشنطن قد دشنت مرحلة جديدة من عربدتها الإمبريالية، ليس باعتبارها خروجًا عن سياقها التاريخي؛ بل كخطوة نحو توظيف أساليب وأدوات أكثر تطورًا وخطورة، مستندة إلى تفوقها التكنولوجي ومُسخِّرة قدراتها العسكرية والاستخبارية في خدمة مشروعها العدواني بصورة فجة ومباشرة.
ويشكل ذلك رسالة تهديد مفتوحة إلى شعوب العالم كافة، وخصوصًا القوى الرافضة لهيمنتها. ويتمثل الهدف الحقيقي لهذه العملية الإرهابية في بث الرعب في عقول وقلوب كل القوى المناهضة للإمبريالية الكولونيالية، بينما يسعى الجانب الأمريكي على الصعيد الفنزويلي إلى إسقاط النظام القائم وفرض السيطرة الكاملة على الثروات النفطية والمعدنية والممرات الجيوسياسية، تمهيدًا لإحكام قبضته على ملامح النظام العالمي المقبل. غير أن هذا النهج، رغم ما قد يحققه من مكاسب آنية، يبقى محكومًا بالفشل على المديين المتوسط والبعيد؛ إذ سيصطدم بصمود الشعب الفنزويلي الذي لا تهزه التهديدات ولا تكسره أدوات القمع والإرهاب المنظم. فمهما بلغت قوة الإمبريالية الكولونيالية، ستظل عاجزة عن إخضاع شعب قرر الدفاع عن سيادته الوطنية ومكتسباته الثورية، وإفشال المشاريع الاستعمارية التي تحاك ضده.
لقد مارست الولايات المتحدة سياساتها العدوانية في مناطق مختلفة، ومنها الوطن العربي، ونجحت في تحقيق جزء كبير من أهدافها بفعل عوامل متعددة، أبرزها وجود قوى اجتماعية احتياطية مرتبطة استراتيجيًا بالمشاريع الإمبريالية، وتمرست على أساليب القتال في خدمة الأجندات الغربية، ولم تستنزف طاقاتها في معارك التحرر الوطني والديمقراطي. غير أن جمهورية فنزويلا البوليفارية قد تُشكِّل حالة مختلفة؛ فهي اليوم أكثر تنظيمًا ووعيًا واستعدادًا للمواجهة، وتتحرك تحت قيادة ثورية واضحة الرؤية، تستند إلى شرعية شعبية حقيقية. كما يبدو محيطها الإقليمي في أمريكا اللاتينية أكثر استعدادًا لإسنادها، في ظل وعي جماهيري متراكم بطبيعة المشروع الأمريكي، بعد عقود طويلة من النضال السياسي والمُسلَّح ضد الهيمنة الإمبريالية.
وتتميز قواها السياسية وأحزابها الوطنية بصلابة أكبر، وبخطاب سياسي واضح يعكس تطلعات شعوبها إلى الحرية والديمقراطية والاستقلال الوطني. ومن هذا المنطلق، ودون التقليل من قوة الإمبريالية الأمريكية أو من اختلال موازين القوى على الصعيد العالمي، ومن التناقضات الداخلية التي لم تجد طريقها إلى معالجة سياسية سليمة، فإن هزيمة الإمبريالية وانتصار فنزويلا لا يعدان مجرد احتمال؛ بل نتيجة حتمية لمجرى الصراع. وبطبيعة الحال، تدرك الإدارة الأمريكية جيدًا تبعات مغامرتها، ولذلك قد تسعى إلى تفجير الجبهة الداخلية الفنزويلية؛ سواء عبر تصعيد حملاتها السياسية والإعلامية ووصف الدولة بأنها منظمة إرهابية بهدف نزع الشرعية القانونية عنها، أو من خلال التشكيك بشرعية القيادة المنتخبة والدفع نحو انتخابات مبكرة لتغطية جريمتها، أو عبر تكثيف الضغوط والضربات النوعية لإحداث الفوضى والاضطراب السياسي والاجتماعي ومراقبة مآلاتها.
ومع ذلك.. تظل هذه السيناريوهات، رغم تعقيدها، قابلة للإحباط؛ فالشعب الفنزويلي، بما يمتلكه من تاريخ نضالي عريق وتقاليد كفاحية راسخة، مرجح للالتفاف حول قيادته الشرعية وتجاوز خلافاته السياسية في لحظة وطنية فارقة تتطلب توحيد الصفوف للدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية. وبهذا، يستطيع تقليص الفجوة بين إمكانياته المادية المتواضعة مقارنة بالولايات المتحدة وبين إرادته الوطنية الثورية الصلبة، التي ستجد سندًا ودعمًا من كل شعوب وأحرار العالم.
