إيران على فوهة البندقية

 

 

 

مسعود أحمد بيت سعيد

masoudahmed58@gmail.com

 

لا شك أنَّ الأيام المُقبلة تحمل في طياتها جملة من الاحتمالات والتحديات التي تواجه إيران والمنطقة بأسرها. ورغم وجود تقديرات تشير إلى إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تجنب المنطقة شبح الحرب، فإنَّ هذا السيناريو يظل واحدًا من بين احتمالات أخرى تبدو أكثر ترجيحًا وجدية.

حجم الاستعدادات والتصعيد القائم يجعل من الصعب، وفق أي منطق علمي، استبعاد خيار المواجهة العسكرية. ورغم صعوبة التنبؤ الدقيق بمآلات هذه التطورات ونتائجها، فإنَّ مؤشراتها باتت واضحة إلى حد كبير، ويتصدرها عنوان رئيس يتمثل في السعي إلى تجريد إيران من عناصر قوتها وتحجيم نفوذها الإقليمي، سواء عبر الضغوط السياسية أو من خلال حرب شاملة. وهي شروط بالغة القسوة يصعب على طهران قبولها بسهولة، ما يضعها أمام بدائل أشد قسوة. وقد أكدت التجربة التاريخية، القريبة والبعيدة، أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية غالبًا ما تسبقها سلسلة من التمويهات، سواء عبر خفض منسوب التصعيد السياسي وفتح المجال أمام النشاط الدبلوماسي، أو عبر كسب الوقت لاستكمال الاستعدادات العسكرية. وهي خطوات تكتيكية تهدف إلى تهيئة الأرضية لخطوات عملية لاحقة، وتندرج ضمن الأساليب الأمريكية والصهيونية المعهودة.

وفي هذا السياق، تتجه الخيارات الأمريكية عمومًا، والإسرائيلية على وجه الخصوص، نحو إفشال المساعي الدبلوماسية من خلال ممارسة التضليل السياسي للرأي العام العالمي من جهة، وتوفير ذرائع جديدة تُعد في نظرهم أكثر واقعية من جهة أخرى. وبطبيعة الحال، يتوقف المشهد العام على الجهة التي تمتلك زمام المبادرة، وهي اليوم بيد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، اللذين تميزا تاريخيًا بوضع خصومهما في موقع الدفاع. في المقابل، تقوم الرؤية الإيرانية أساسًا على تجنب المواجهة، وهي سمة ملازمة للأنظمة المشابهة التي تعتمد سياسة سد الذرائع تفاديًا لتحمّل تبعات تاريخية قد تفرضها المواجهة. غير أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها الأخلاقية، تمثل إحدى نقاط الضعف الجوهرية في طبيعة تلك الأنظمة وتكوينها الطبقي، وفي رهاناتها الخاطئة على فهم جوهر السياسة الإمبريالية ووظيفتها، سواء في هذه المرحلة أو في المراحل السابقة. فالفرضية القائلة بإمكانية تجنب المواجهة مع القوى الاستعمارية تبقى فرضية وهمية؛ إذ إن الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني لا يحتاجان إلى ذرائع، لأن السيطرة والتحكم ونهب الثروات تشكل عناصر بنيوية في تكوينهما. ولا يمكن دحر هذه الاستراتيجية إلا بالقوة، لكونها استراتيجية شمولية، ولا يوجد ما يدفع هاتين القوتين الاستعماريتين إلى إعادة النظر في مساراتهما ما دامت تحقق أهدافهما العدوانية والتوسعية.

وتتمثل هذه الأهداف، إقليميًا، في إعادة رسم الخريطة السياسية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة، تمهيدًا لبسط النفوذ على نطاق أوسع. ويأتي في مقدمة ذلك تفكيك الكيانات القائمة وتوسيع رقعة الكيان الصهيوني جغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وهو مسار يصعب تصوره من دون حروب كبرى. وليس خافيًا أن جزءًا من هذه الأهداف بات واقعًا ملموسًا، ولو على مستوى الشكل، إذ يمكن وصف المشهد الإقليمي بأنه أصبح، إلى حد بعيد، في الجيب الأمريكي، وإن ظل المضمون حافلًا بالاحتمالات والمفاجآت التي لم تستقر بعد بما ينسجم كليًا مع أهداف المشروع الإمبريالي–الصهيوني بعيد المدى.

إن التسليم بهذه الحقائق يجعل من سياسة المهادنة وانتظار الضربة الأولى، بذريعة اكتساب مشروعية الدفاع، سياسة ذات نتائج مريرة. ولعل ما جرى في سوريا مثالًا حيًّا على ذلك؛ فقد كان الدور الإسرائيلي واضحًا وملموسًا، وارتبطت به قوى محلية وإقليمية فاعلة، وكان جليًا أن إسرائيل ستكون الرابح الأكبر، مهما ادّعى الآخرون تحقيق انتصارات وهمية، لأن رؤيتها الاستراتيجية تتجاوز الأنظمة ذاتها إلى ما هو أعمق وأشمل. ولو امتلك النظام آنذاك الإرادة والجرأة، وأدرك الأبعاد الحقيقية لطبيعة المواجهة وأهدافها، لكان بإمكانه قلب المعادلة رأسًا على عقب عبر توجيه كامل طاقاته وإمكاناته نحو الكيان الصهيوني، الذي جرت – وتُجرى – معظم تلك الحروب في خدمته دون إغفال مشروعية جزء كبير من مطالب الجماهير التي ترزح تحت وطأة البؤس والقمع والاستبداد، والتي كثيرًا ما تغاضت عن مساوئ الأنظمة طالما أنها تقف، ولو شكليًا، في مواجهة الهيمنة الإمبريالية والصهيونية.

غير أن الواقع يثبت أن شعبًا محرومًا من الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية يبقى دفاعه عن تلك الأنظمة موضع شك. ولا ريب أن مواجهة المشاريع الاستعمارية تتطلب أعلى درجات الحرية والديمقراطية، بوصفهما شرطًا أساسيًا لتعبئة الجماهير وحشد طاقاتها إلى أقصى حد. عندها فقط يمكن أن يتحقق الالتفاف الشعبي حول الأنظمة، لا خوفًا من البطش والإرهاب، بل دفاعًا عن الوجود والمكتسبات المادية والمعنوية، وبما يفقد القوى الإمبريالية قدرتها على استثمار المظالم الاجتماعية.

الجماهير الشعبية، مهما كانت فقيرة أو متخلفة، هي التي تصنع التاريخ والانتصارات. وينطبق الأمر ذاته على إيران، مهما تعددت الفوارق. وفي هذا الإطار، لم يعد تحصين الجبهة الداخلية خيارًا مؤجلًا؛ بل ضرورة وطنية تفرضها تحديات الحاضر واحتمالات المستقبل.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف القوى السياسية والمكوّنات الاجتماعية، تمهيدًا لبناء شراكة وطنية واسعة تقوم على التعددية الفكرية والسياسية، وتعزز وحدة المجتمع وتماسكه. وهي حاجة لا تمثل استجابة ظرفية لمرحلة آنية، بل مطلبًا موضوعيًا واستراتيجيًا؛ فالانتقال من الاكتفاء بالشعارات والبديهيات النظرية إلى حيز الممارسة السياسية الفعلية كفيل بإحداث تحول حقيقي في موازين القوى، بما يخدم مصلحة إيران داخليًا وخارجيًا؛ فالوطنية الحقة لا تقاس بالشعارات المناهضة للهيمنة الأجنبية وحدها؛ بل تتجسد في السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تعبر بصدق عن التكوين الاجتماعي التعددي والديمقراطي، وتوفر الحماية للوجودين الاجتماعي والسياسي، وتؤسس لدولة قوية قادرة على مواجهة التحديات وصون سيادتها وكرامتها الوطنية.

الأكثر قراءة

z