العالم يتشكل بتاريخ غزَّة

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

اكتشف العالم مُتأخِّرًا أن "طوفان الأقصى" ليس حدثًا عارضًا؛ بل مفصلًا تاريخيًا استيقظ العرب والعالم على وقعه وتفاصيله؛ ليشكل ركنًا حيويًا من أركان التاريخ الإنساني.

وكما يذكر العالم مفاصل تاريخية حادة شكَّلت الوعي العربي والعالمي وفرضت نفسها في جنباته وسيرورته؛ فغزَّة فرضت على العالم المعاصر تدوين التاريخ باسمها منذ السابع من أكتوبر. وكما اعتاد على تقسيم التاريخ بين قديم وأوسط وحديث، وقبل الميلاد وبعده؛ ففي غزَّة ترمَّمَ الوعي العربي المُنهك واستعاد إنسانيته وحيويته. ومن غزَّة شعر العالم بأفول خُرافات وأساطير رتلتها الشعوب بلا وعي لعقود خلت، قبل أن تكشف غزَّة زيفها. غزَّة حرَّرت العقل العربي من أغلال غزو فكري غربي فاخر مغموس بتكنولوجيا مُرعبة وآلة إعلام مُدمرة للعقل ومحاصرة للوعي إلى حد إلغائه.

في غزَّة ومن غزَّة، سقطت نظرية الجيش الذي لا يُقهر، وفي غزَّة ومن غزَّة سقطت الاستراتيجية الصهيو-أمريكية "الخوف مقابل الكثرة" التي غيَّبت العقل العربي وأقعدته عن أي مواجهة حقيقية لاسترداد الأرض المغتصبة؛ بل وجعلت من الكيان الصهيوني قضاءً وقدرًا لا يُرد، إلّا بالتطبيع والاستسلام والتسليم له بأحقيته في الأرض والعرض والمال والولد، والسيادة والقيادة لحاضر الأمة ومستقبلها؛ بل وأحقيته في إعادة كتابة تاريخ الأمة وفق أساطيره وخرافاته.

غزَّة أيقظت ضمير العالم ورمَّمَت وعيه بزيف حقوق الإنسان، وكذبة الحريات، وحقيقة المنظمات الدولية ووظائفها، والأهم من ذلك هو تجاسر العالم على الصهيونية العالمية والتي دقّت غزَّة الإسفين الأول في نعشها.

غزَّة، فرزت العرب والعالم بين فسطاطين؛ فسطاط العلف وفسطاط الشرف، وبين ثقافة المُقاوِم وثقافة المُقاوِل، وبيَّنت بجلاء الفروقات الشاسعة بينهما. غزَّة بينت للعرب والعالم حقيقة الكيان ووظيفته كقاعدة مُتقدمة للصهيونية العالمية بمسمى دولة وبمظاهر كيان سياسي.

غزَّة أظهرت للعرب أن التطبيع هو تمكين العدو من استباحة ما عجز عنه بالقوة المسلحة أو المناورة السياسية، وأعادت مفاهيم الحرية والكرامة وثمنهما بعد غياب طويل وتغييب قسري عن الوعي العربي المُعاصر.

غزَّة برهنت على أن من يُفرِّط في فلسطين، سيُفرِّط في بلده لا مُحالة؛ فالشرف والكرامة ونصرة الحق مفاهيم لا تعرف جغرافيا ولا مِلّة ولا دين.

غزَّة بينت أن صراع العرب مع العدو الصهيوني هو في الأساس صراع إرادات، قبل أن يكون صراع سلاح وجيوش وتكنولوجيا، وغزَّة أثبتت للعرب والعالم كيف يُهزم العقل أولًا كمقدمة ضرورية لهزيمة الجسد والوعي والإرادة معًا.

غزَّة تجاسرت على الأساطير والخرافات الصهيونية، فهزمت الواقع الصهيوني بجدارة واستحقاق، وبرهنت للعرب أن تحرير العقل يسبق تحرير الأرض.

غزَّة برهنت أن فلسطين هي الخندق الأول للأمن القومي العربي، وأن دعمها ونصرتها يعني تحرُّر العرب من جميع أغلال وقيود الاستعمار الجديد والمتمثلة في الهيمنة والتبعية وحصار العقل.

غزَّة برهنت على أن فلسطين هي الخندق الأول للصهيونية العالمية لتطويع الوطن العربي وإخضاعه لهيمنتها تدريجيًا، كما برهنت على أن احتلال فلسطين في العقل الصهيوني هو "الفيتو" الغربي الدائم لضمان عدم نهوض العرب خارج سياق مفهوم "الدولة السوبر ماركت"، وهو الضامن لتمزيقهم وتفتيت قواهم إلى أقطار متناثرة لا يجمعهم سوى تاريخ سحيق لم يعد صالحًا للاستهلاك الآدمي!!

قبل اللقاء.. غزَّة ترجمت قول الحق تبارك وتعالى (وأعدو لهم ما استطعتم) فصبرت وصابرت، وتواصت بالحق وتواصت بالصبر.. فانتصرت.

وبالشكر تدوم النعم.