العقل العربي.. أطواره وأنواعه

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

ليس من السهل الإلمام والإحاطة بموضوع كهذا وإنصافه في التحليل والتعريف ولكنها محاولة للمرور على المتداول من تعريفات وإسهامات يقذف بها المحسوبون على النُخب في الوطن العربي بين مناسبة وأخرى، بزعم وضع اليد على الجرح والمعضلة، أو بزعم استنهاض الأمة نحو مكانتها الطبيعية ومستقبلها الشاغر بين الأمم.

أغلب النُخب العربية التي أتابع طرحها ونتاجها شخصيًا، تُعيد تدوير المُنتج الغربي بيننا وتسكبه قسرًا في عقولنا وكأنه قضاء وقدر محتوم؛ بل وتسليم ضمني منها بأن الغرب ونموذجه العلمي والسلوكي هو الملاذ الأخير للإنسانية وحضارتها، وكأنهم يبصمون بأصابعهم العشرة بأن مدنية الغرب نهاية التاريخ، وأن صدام الحضارات سيكون النتيجة الحتمية في صالح المدنية الغربية لا محالة!

الحقيقة أن النُخب عبر التاريخ هي من ترسخ الوعي القائم وتقود الوعي القادم وتُشكل الضمير وتصون الموروث القيمي للمجتمعات، وهي مؤشر جلي على وعي المجتمعات وتحفزها وتطلعها ومدى عضويتها بالشأن الوطني في أوطانها، لهذا كان الألمان في الحرب الأوروبية (العالمية) الثانية، يقدمون تحليل نتاج النُخب ومؤشراتها على المعلومات العسكرية والاستخباراتية في البلدان التي ينوون خوض حروب معها، على اعتبار أن النخب تمثل عقل وضمير ومجسات المجتمعات والشعوب، وأن سلوكها الفكري ووقودها القيمي والعقائدي هو المؤطر الحقيقي لشعوبها بمختلف شرائحها. لهذا يمكننا وبكل بساطة معرفة أسرار سقوط كل دولة بيد الألمان في تلك الحرب، وفي المقابل أسرار استعصاء كل دولة عليهم رغم تفوق القوة الألمانية في كل شيء؛ حيث سنجد السبب الرئيس هم النُخب هنا وهناك.

نُخبنا العربية اليوم- إلّا من رحم ربي- تقوم بدور "المظبط" والمروج للهزيمة النفسية والمادية بكل جدارة وتفان وإخلاص، بوعي وبلا وعي، فأغلب هذه النُخب لا تحمل فكرا تحليليا تراكميا يخصها ناتجاً عن قراءات تاريخية تراكمية يمكن البناء عليها واستخلاص النتائج منها؛ بل تركن إلى الانبهار ونقل الأوبئة الفكرية للخصوم من باب الوجاهة الفكرية وتقوم بسكبها في عقول العامة والخاصة دون وعي منها بخطورة فعلها هذا، لهذا لم نعد نستغرب من الإلحاح الفكري الحاد على الأمة بالضعف والوهن والشتات، وبسط ثقافة البؤس والفجيعة على الأمة من قبل هذه النُخب بزعم الغيرة والاستنهاض! إلى درجة أن الخصوم علموا وهن النخب العربية وهشاشة تكوينها الفكري وشغفها الاستعراضي، فأصبحوا يكتبون كل شيء وأي شيء يُحبط الأمة ويُكرّس وهنها، وهم على يقين بأن النخب العربية المُنبهرة ستتكفل بالترويج له وسكبه في عقول الأجيال العربية وبحماس منقطع النظير.

يُصيبني الغثاء حين أرى أو أسمع من المحسوبين على النُخب وهو يسوق لكلام أو كتاب أو مذكرات سين أو صاد من الخصوم والأعداء البواح لنا، ويقذف من فمه جُملًا بائسة وقاسية في توصيف حال الأمة العربية وأبنائها، ويجعل من تلك التُهم القاسية موازين عقلية لا تقبل المساومة أو النقد في تجلٍ واضحٍ لثقافة جلد الذات وتفشي أعراض الشخصية المهزومة والمُنبهرة والمُقلدة للسيد الغربي.

لا أجد في هذه النُخب من يؤمن بنظرية المؤامرة، ويُحللها ويوصفها ويشخِّصها، ليسقط كل ما يقوله الخصوم والأعداء على ميزان الصراع الوجودي الحاد بيننا والغرب، كما لا أجد من يُجهد نفسه بتحليل تلك المقولات والمذكرات ومقارنتها بالواقع ونسبها للمرامي وللمقاصد الحقيقية لها؛ بل ما أراه هو التسليم بها وتصديقها والتكفل بنشرها وتحليلها وتذويقها من باب السبق والوجاهة الفكرية.

مشكلتنا في الوطن العربي مزدوجة؛ حيث نواجه خصومًا تاريخيين معروفين، ونواجه خصومًا ناعمين يشكّلون طابورًا خامسًا للخصوم بوعي وبلا وعي، وبنجابة تامة، وهنا مكمن المشكلات وعصب المعضلات، أننا ابتُلينا بنُخب تنتحل كل شيء، وتتسلح بالهشاشة وفنون الاستعراض معًا، مع وجود منابر خطيرة ومؤثرة لها تمارس من خلالها البغي الفكري وتزييف الوعي بغير أسمائها. والأخطر من كل هذا هو تشرح العقل العربي اليوم إلى ثلاث شرائح جلية؛ أولها: شريحة العقل العربي الرسمي المنفصل إلى حد كبير عن واقعه الفعلي، وتكمن خطورته في كونه راسم السياسات والمواقف. والعقل الثاني: وهم النُخب التي تصيغ الوعي وتقوده، وتمثل حالة منفصلة عن واقع أوطانها وبعيدة عن رسم السياسات والقرار، وبالتالي تمارس دور التحريض على الأوطان بوعي وبلا وعي من خلال تخوين الحكام والحكومات، وتحقير الشعوب وتطلعاتها وحراكاتها. وعقل ثالث: يمثل العامة أو القاعدة الشعبية وهو عقل منقسم بحكم الإلحاح والانبهار القسري بين النُخب السياسية المعزولة عن الواقع، والنُخب الفكرية المُنبهرة بالخصوم. ومن رحم ربي يمتلك قناعات وطنية خاصة، لكنه لا يمتلك منبرًا للسيف لا للقلم!

قبل اللقاء: الوطن سفينة بلا قوارب نجاة".

وبالشكر تدوم النعم.