الخميس, 20 سبتمبر 2018

مقال : أخلاقيات العوالم الافتراضية

الأربعاء 27 سبتمبر 2017 05:37 م بتوقيت مسقط

عمَّار الغزالي

لم يخُطر ببال خبير العلاقات الإنسانية الأمريكي دييل كارنيجي في العام 1936م وهو يرُصُّ قصصَ كتابه "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس"، أنه يؤصل لتوجه أدبي جديد، سمته البساطة وانسياب الفكرة، فجاءت صفحاته مليئة بقصص تخترق حواجز التعقيد، ذكرتني وأنا أنتهي من صفحاته ببعض القصص التي أجدها يوميا على منشورات أصدقاء "السوشيال ميديا"، وَهذا الكم الهائل من "البوستات" والتغريدات ورسائل "الواتساب" التي نجدها على هواتفنا وتختصر مواقفَ وحِكماً، كإيجابية تُحسب لعالم افتراضي رديف أوْجَدَ مساحات تدوين وكتابة لم تكن مُتوفرة من قبل، وأتاح المجال أمام كتابات لمواطنين بُسطاء، وجدوا أنَّ الكلمة لم تعد حِكرا على الكُتَّاب والصحفيين والمثقفين، وأن بإمكان أيِّ أحد أن يُعبِّر عن موقفه وسيقرأ له الآلاف، بل ومئات الآلاف ما لم يكن ملايين.

إلا أنَّ كارثة سوء الاستخدام الملازِمة لأي انبهار بطفرة جديدة أوْجَدت فَوْضَى عارمة فيما يُدوَّن؛ أسهم في استفحال مخاطرها غياب مقص الرقيب، وتوافرها بأيدي مُختلف الفئات العمرية ومن طبقات مختلفة التوجُّهات؛ وأحياناً من المعرِّفات المجهولة، أو من حسابات تُدار لأجندة معينة أحياناً أخرى؛ فضاعتْ بين بلايين من كبسات الزر أمانة الكلمة، وتوارى معها أيُّ شعور بالمسؤولية. وبعد أن اعتدنا في حيواتنا على جُملة قيم تمنعنا في مَحْضَر الجمع أن نتلفظ بلفظ يؤذِي، تراجعت تلك الشمائل في كثير من نقاشات الفيسبوك وتويتر، وأصبحنا نأتمر لأناملنا وأزرار هواتفنا الذكية، فضاعت كثيرٌ من أخلاقياتنا؛ وتنامت الشائعات والسِّجالات الفكرية الممهورة بألفاظ خادشة للحياء، وبث الأفكار الهدامة، وعرض المواد الإباحية، والتشهير، والمضايقات، والتحايل، والابتزاز، والتزوير، وانتهاك الحقوق.. وغابَ توجيه نبويٌّ بأنَّ "العبد لَيتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب".

وحقيقةً لا أدري، هل يصحُّ الحديث عن ضوابط تنظِّم وسائل غير منظَّمة أصلا، أو حتى غير قابلة للتنظيم، لكنَّ رقم ثلاثة مليارات و300 مليون مُستخدم، لديهم فرصة أن يكتبوا وينشروا، يمنع استقامة أيِّ حديث عن تلك الظاهرة لا ينطلق من الشق الأخلاقي والديني ابتداءً؛ قبل مجرد تأييد أو رفض فكرة تمرير قوانين لمكافحة الجرائم الإلكترونية، أو حماية أمن المعلومات؛ فالواقع صادم والقادم يُنذر باقتلاع القيم ما لم توضع حلول حازمة، خاصة ونحن أمام عالم مفتوح لا يخضع لحدود زمانية أو مكانية.. فتعظيم الوازع الديني في نفوس مُستخدمي هذه التقنية وخصوصا فئة الشباب من خلال الخطب والبرامج والأحاديث الإعلامية، وتكثيف الرِّقابة الأسرية، والتوعية بالمدارس والجامعات، تعدُّ البداية الصحيحة لاقتلاع مظاهر تلك الظاهرة التي باتت تؤثر على سلامة عقول وقيم أبنائنا، توعيةً تغرسُ في النفوس أنَّ العناية باختيار الكلمة، والتثبُّت من نقل الخبر، من كَمَال إيمان الفرد؛ فـ"مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيْبٌ عَتِيْد"، و"كُلَّ إنسانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ"، و"يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُم وَأَيْدِيْهِم وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُوْن"، و"اللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيْطٌ"، وأنَّ حرية الرَّأي والتعبير لا تعني انفلاتًا من الأخلاق والمسؤوليات، وإنما هي تعبير عن الرأي بوعي وحسٍّ وطنيٍّ لا يسمح بتجريح الهيئات أو الذوات أو محاولة النيل من أمن البلاد واستقرارها.

ولعلَّ الإشارة تستوجب هنا تلميحًا لما شَهِدْناه، مُؤخرًا، من حالات شدٍّ وجذبٍ افتراضيٍّ على واقع اختلافات سياسية، أوقعتْ الكثير من العُمانيين في فخ الاستفزاز وبالتالي رد الصاع صاعين وتبادل الإساءات، وهو مشهد يتنافى تمامًا مع القناعة بأنَّ استخدام شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية وطنية قبل أن تكون حرية شخصية؛ فهذه التطبيقات تعكس القيمة والثيمة للوطن، والبيئة التي يتربى بها الفرد، لذا فمن المهم جدًّا تمييز هذه الخطوط الفاصلة بين ما يحسبه المستخدم حرية شخصية، وما يمليه عليه الواجب من مسؤوليات وطنية في لحظة ما.

... إنَّ قوَّة التأثير التي باتت تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، تفرض على المعنيين -وفي مقدِّمتهم الأسر والمحاضن التربوية المختلفة- ضرورة تبنِّي خطوات جادة لتنظيم استخدام هذه الوسائل، وتهيئة بيئة مواتية لغرس ثقافة الاستخدام المسؤول والجاد لها، فالله -سبحانه وتعالى- لمَّا أرادَ أن يمتنَّ على عِباده بكمال النِّعم، لم يعدِّد فَضْل تيسير الهِدَاية إليهم، ولا تمهيد طُرق العبادة وتذليل سُبل الرَّشاد؛ وإنَّما قَال جلَّ شأنه: "أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن وَلِسَانًا وَشَفَتَيْن"، إجمالًا لنِعَم يتفرَّد بها الإنسان عن غيره؛ فهو الوحيد القادر على التعبير بلغةٍ تُبرز احتياجاته، وتكون وسيلة فاعلة للتواصل؛ فالكلمة في ديننا لها خطورتها، فبكلمة يدخل المرء الإسلام، وبكلمة يخرج منه، بكلمة تُستحل الفروج، وبكلمة تحرم، بكلمة تسعد أمة، وبكلمة تشقى دول، بكلمة تراق الدماء، وبكلمة تحفظ وتصان.. فما أحوجنا لهذا الفهم ونحن نتوجه إلى عوالم يختلط فيها الاحتراف بالهُواية، والصناعة بالتجربة، والضوابط بالانفلات، والجد بالتسلية؛ مما يعني أن ازدياد مخاطرها ممكن أن يؤجِّج خطابات فوضوية تهدَّد السلم الاجتماعي.

[email protected]