الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : أهمية الاستثمار في المجالات الثقافية

الإثنين 19 يونيو 2017 03:58 م بتوقيت مسقط

 

د. صالح المسكري

لا شكَّ أنَّ الاستثمار في المجالات الثقافية أمرٌ مهمٌّ، بل هو الأهم في حياة بني البشر، خاصة إذا ما وُجه هذا الاستثمار لبناء الإنسان تربويًّا وتعليميًّا ليأخذ المعنى الأشمل والمساحة الأوسع للثقافة؛ فالثقافة حسب تعريفها العام هي خصائص متجانسة لمجموعة من البشر تعكس لغتهم وتراثهم وعلومهم ومعارفهم والفنون والآداب التي يمارسونها، وأنماط وطرق عيشهم، ومجموعة القيم التي يتناقلوها جيلاً بعد آخر. وهي جميعاً تُشكِّل روافد مهمة لرأس المال الثقافي الذي هو "مجموعة من الموارد الثقافية التي يمتلكها شخص ويمكنه تعبئتها" حسب تعريف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بيدرو الذي يقول أيضاً إنَّ الأفرادَ مثلما يكدِّسون رأس المال الاقتصادي، فإنهم أيضاً يملكون رأس مال ثقافي يتمثل في مخزونهم من المعارف والمهارات المكتسبة وبإمكانهم استثمارها.

ويُعرَّف الاستثمار في المجال الثقافي بأنه استثمار بعيد المدى، يعمل مع الوقت على بناء اقتصاد المعرفة واستغلال المكونات الثقافية لدى الأفراد والمؤسسات لإيجاد مداخيل خاصة وأخرى عامة تُسهم في الناتج المحلي للبلاد، كما أنَّ هذا الاستثمار يُساعد على قيام مجتمعات متفتحة مهتمة بالثقافة، ويرفع من ذائقتها العامة، كما يُؤدِّي إلى قيام حضارات إنسانية راقية، ويخفف من وطأة الحياة المادية وسيطرتها على فكر الفرد وعلى التوجه العام للمجتمع.

ولكي يُصادف هذا الاستثمار القبول والإقبال في المجتمع خاصة بالنسبة للمجتمعات الناشئة التي يهتم أفرادها ببناء المؤسسات الاقتصادية ذات العائد السريع أولاً من ثم يمكن أن يفكروا في ضخ فائض أموالهم للإستثمار في المجالات الثقافية، فإنَّ هذا الاستثمار يحتاج توافرَ عناصر أساسية وتكاملَ هذه العناصر مع بعضها البعض، ومن هذه العناصر -على سبيل المثال- توافر بيئة ثقافية مساعدة وفاعلة على الأرض تمكن المستثمر من مشروعه وتعزز رغبته وطموحه؛ سواء من الناحية المؤسسية أو من ناحية الأفراد المستهدفين؛ فالمشاريع الثقافية كأي عمل إنساني إذا لم تجد حواضنَ مؤسسية من مراكز علمية وبحثية ووسائل إعلام متخصصة ومنافذ توزيع وتسويق ومستهدفين لديهم الرغبة في اقتناء المنتج الثقافي ولديهم المال الكافي لذلك، فإنَّها حتماً ستواجه صعوبات، ولن تتمكن من بلوغ الأهداف والغايات المرسومة لها. ومن هذه العناصر: وجود مُستثمر صبور منتمٍ للمجال الثقافي لا يجعل الثقافة مركباً للتكسُّب والربح السريع. ومن هذه العناصر أيضاً: أهمية وجود تشريعات وإجراءات إدارية مرنة غير مقيدة لحركة الاسنثمار في المجالات الثقافية أو مرتبطة بالمصالح الشخصية لأصحاب القرار والنفوذ، على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"؛ بحيث لا تؤثر هذه المرونة على حق الدولة في حماية مُكتسباتها والهوية الثقافية التي يتميز بها مجتمعها، ولا تؤثر على التصدي لتيارات العولمة والمتغيرات التي تجلبها معها، مع أننا نثق تماماً بأنَّ الشعوبَ في الحضارات العريقة التي لها رصيد ثقافي كبير وموروث حضاري عميق لا تخاف على هويتها من التأثيرات الخارجية؛ لأنها قوية بموروثها مُحصَّنة من الداخل بسلوكها وتقاليدها من أية هجمات، في حين تكون الثقافات الناشئة أو الطارئة التي ليس لها أساس تاريخي عميق، ولا انتماء أصيل للهوية الوطنية، هي التي ترتبك وتخشى على مُجتمعاتها من أيَّة ثقافة عابرة تأتي من الخارج، على رأي الشاعر العربي الكبير نزار قباني: "الثقافة التي تخاف على نفسها من قط الجيران هي ثقافة فئران".

وإذا ما نظرنا للواقع في سلطنة عُمان، نجد أنَّ هناك استثمارات مهمة في المجالات الثقافية على المستوى الرسمي تمثَّلت في إنشاء موسسات ثقافية كبيرة تبوَّأت مكانة رفيعة على المستوى العالمي، وأسهمت إلى حد كبير في الرقي بالذوق والوعي العام المحلي، وأيضاً في إيجاد دخل للبلاد، من هذه المؤسسات -على سبيل الذكر لا الحصر- دار الأوبرا السلطانية العُمانية التي تُعد معلماً مهمًّا من معالم نهضة عُمان الحديثة ومحط أنظار مشاهير العالم من مثقفين وفنانين وموسيقيين وسواح، والمتحف الوطني الذي هو قصر للتراث والثقافة العمانية عبر العصور ومنارة للتاريخ ومقصداً للباحثين والزوار من داخل السلطنة وخارجها، ومتحف أرض اللبان الذي يقع في متنزه البليد الأثري بمدية صلالة وهو أيضاً من المنشآت المهمة علامة في المنظومة المتحفية في السلطنة، ويضم قاعتيْن: القاعة البحرية وقاعة التاريخ، والمركز الثقافي في جامعة السلطان قابوس الذي أعلى من شأن الجامعة ومكانتها العلمية والثقافية، ومركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم وما يُقدِّمه من أنشطة مختلفة ودعم للمثقين ومسابقات وجوائز سنوية للثقافة والفنون والآداب، إضافة للمهرجانات السنوية التي تُقيمها بلديات مسقط وصلالة في الشتاء والصيف من كلِّ عام، ومحاولتها كسب المساحة الزمنية المحدودة والظروف والإمكانيات المتوفرة للترويج لمختلف الأماكن والفعاليات السياحية والثقافية والفنية للسلطنة، إضافة لترميم وتشغيل العشرات من القلاع والحصون والأبراج في مختلف محافظات السلطنة، وفتحها أمام السائحين، وهي معالم وشخوص تاريخية وثقافية مهمة، كلُّ تلك المشاريع هي استثمارات خُطِّط لها في المجال الثقافي، وأصبحت تأتي بعوائد مالية جيدة تُسهم في الدخل العام والناتج المحلي للبلاد، ولا ننسى أيضاً أنَّ حكومة السلطنة تقدم دعماً سخيًّا للتعليم الجامعي الخاص؛ يتمثل في تقديم مساهمات مالية تفوق الخمسة عشر مليون ريال عُماني، وقطعة أرض ضخمة لكل جامعة خاصة في السلطنة، مع حزم سنوية من البعثات الجامعية تتحمل الحكومة تكلفتها، وهو استثمار مهم لبناء الإنسان علميًّا وتربويًّا وثقافيًّا. وهنا، لديَّ عتبٌ لابد أن أذكره يتعلق بسياسة الجامعات الخاصة فيما يخص قبول الطالب العُماني، ومساواته بالطلاب الوافدين في الرسوم الدراسية؛ فالحكومة عندما قدمت حزمة المساعدات للجامعات الخاصة "ونضع تحت كلمة خاصة أكثر من خط؛ لأنها تأخذ من المال العام ولا تعود له بالفائدة"، فإنَّها قدَّمتها لأجل التسهيل على الطلاب العُمانيين وأولياء أمورهم في التعليم العالي، لا أن تتعامل معهم بالمسطرة الربحية التي تقيس بها مصلحتها مع الطلاب الوافدين؛ لذا وجب على الحكومة مراجعة سياسات القبول التي تنتهجها الجامعات الخاصة، والرسوم الدراسية المقرَّرة للعمانيين وحماية حقوق الطلاب وأولياء أمورهم من تغوُّل الربحية وثقافة السوق في هذه الجامعات.

أمَّا بالنسبة لتوجه القطاع الخاص نحو الاستثمار في المجالات الثقافية المختلفة، فكما أسلفت في البداية، هذه الاستثمارات ليس لها طُلاب كثيرون من عامة الناس، خاصة في ظل الانفتاح نحو العولمة وانفجار المعلومات وتوافر الوسائل الثقافية السهلة التي تجذب الناس وتُشتت عقولهم وتوفر لهم أكثر من مائدة ثقافية يومية بها مختلف اصناف الثقافة والعلوم والتسلية بعضها بالمجان، وتستنزف أغلب وقتهم وجهدهم ومالهم. ومن هذه الموائد -على سبيل المثال- وسائل التواصل الاجتماعي التي تتنافس افتراضيًّا في أكثر من فضاء منها: فيسبوك وتويتر وإنستجرام وسنابشات، إضافة للواتساب...وغيرها من البرامج الجاذبة التي أسرت قلوب الناس وعقولهم.

وكما أنَّ التجارة تحتاج تاجرًا، والفلاحة فلاحًا، والصيد صيادًا، فإنَّ الاستثمار في المجال الثقافي أيضاً يحتاج مثقفًا، لكنَّ المثقفين في بلادنا فقراء لا يملكون بُلغة ولا مُضغة عدا أحبار عيونهم وبنات أفكارهم، وقليل منهم مهتم بالاستثمار في المجال الثقافي الذي يفهم فيه لأنه استثمار شاق "ورأس المال جبان"، والمشتغلون في المجال الثقافي أغلبهم تجار يشترون بآيات الثقافة ثمناً قليلاً، ثم يصدون عن سبيلها إذا جفَّ رحيقها وخبا بريقها.

لذا؛ فإنَّ الاستثمار في المجالات الثقافية يحتاج صبرًا، ومستثمرًا ينتمي للمجال، ويضحِّي من أجل أن يسمو بالثقافة والفنون والآداب؛ سواء استثمر في منتدى وصالون ثقافي أو في مركز ومكتبةً أو في مجلة وجريدة أو غير ذلك؛ استثماراً يُنزهه عن موازين الربح والخسارة ويكتفي بأجر الصدقة الجارية واذا جاء بالعائد المادي فله أجران، مع أهمية أن تجد هذه الاستثمارات مستقبلاً وسائل جذب مُقنعة، وآليات تسويق مُبتكرة غير تقليدية لإقناع الناس، خاصة وأنَّ أغلبَ المستهدفين بهذا المنتج الثقافي تبدَّلتْ أولوياتهم وتغيَّرتْ مذاهبهم الفكرية، والناس فيما يعشقون مذاهب!!!

[email protected]