الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

مقال : الشيخ عبدالله الشحري.. نسيج الداعية والمفكر

الثلاثاء 18 أبريل 2017 06:16 م بتوقيت مسقط

عمار الغزالي

ستبقى هي إشكاليتنا بكل المقاييس، أن نعيش اليوم واقعا تغيب عن أفقه شموس التسامح الدّيني، والتعايش بل والتآلف وفق مشترك إنسانيّ واحد.. واقع تمور فيه الأحداث المتتاليات من حولنا فوق مرجل التعصّب، وتغذّي نيرانه "لوثة" فكرية راديكالية، أباحت للكثيرين حلحلة القضايا بقوة السلاح، وإزهاق الأرواح، وسفك دماء الأبرياء، أو بوسيلة لا تقل فتكا؛ وهي التخوين أو التكفير وقلب الحقائق، وتدمير بيوت أذّن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؛ لمجرد اختلاف عقائدي، أو سياسي، أو فكري.

ووسط مشهدية كهذه؛ يبقى عددهم قليل من يحاولون إلقاء حجر الحكمة في بحيرة التعصّب الراكدة، مؤمنين بضرورة تحويل الدفة نحو مرافئ التغيير، فيعملون العقل في المسلمات، والمتوارثات، ويسبرون بمجسّات النقد المنقولات؛ فيثيرون الأسئلة الجديرة بأن تسأل، ويحرّكون سكون الأذهان وبلادة الأفهام بإعمال العقول لتحقيق أسمى معاني التعايش، بتحقيق مراد الله من خلق الإنسان، بسموّه وتفرّده عن سائر المخلوقات.. ومن هؤلاء الشيخ الباحث عبدالله الشحري حفظه الله تعالى ونفع به، الذي ظلّ قرابة العقد من الزمان ينهل من معين المدارس الشرعية المتنوعة جامعا بين محاسنها؛ مترحّلا من موطنه عمان أرض الجهابذة العلماء إلى أرض الكنانة مقر الأزهر الشريف مرورا بالشام واليمن وبلاد الحرمين الشريفين؛ طالبا للعلم متعطشا إليه بهمة عالية ونفس تواقة لسمو القصد وعظيم الغايات، فتخرج الشيخ عبدالله بفضل الله تعالى واسع الأفق موسوعي المدارك.
وفي الحقيقة أقول، إنّني ولكي أقارب الصدق بقدر الاستطاعة في محاولة إيفاء مفكر عميق بقدر الشيخ عبدالله حقّه، كان لزاما عليّ أن أعمّق البحث أكثر في أطروحاته الفكرية وسبر أغوار إنتاجاته، والاطلاع على مختلف محاضراته، فاكتشفت أنني لم أكن أعرف في الحقيقة إلا القليل عن شخصية استطاعت أن تؤسس لتيار جديد يهدف لإحياء قيم إسلامية توارت، ومفاهيم اندثر بعضها؛ تعزز جميعها الاندماج والتعايش بل وتصل بها إلى غايات المحبة والتآلف بين المؤمنين عملا بقوله تعالى "إنّما المؤمنون إخوة.." مرورا بقراءات متأنية للسيرة النبوية لصناعة "القدوة" والانتقال من ضيق الرأي والتعصب المذهبي إلى سعة الشريعة وبحبوحتها لتجديد الخطاب الديني للرسالة المحمدية الخالدة المتجددة الصالحة لكل زمان ومكان.
وأنا هنا لا أسعى لتقديم ترجمة لهذا العالم والقامة الكبيرة؛ فهيهات أن تحصي نفوس المخطئين مآثر الأجلاء، فعلومهم ومآثرهم وعطاؤهم الفكري والمجتمعي تاريخٌ يتعلق في رحم الزّمان؛ بشمائل لا تتكرّر، وخصال يقلّ نظيرها. ومن عرف الشحري على مقربة وتابع محاضراته، واستمع لدروسه، يشهد له برشاد المنهج، وكياسة الخطاب، ورزانة الأدب، فضلا عن اتزان الهيئة واستقامتها، وعلو الهمة؛ فصدق الكلمة ورقي الأسلوب جعلا علمه بمثابة سهام حقّ تخترق أغشية القلوب فتفيق أصحابها من غيابات التيه، وبلسما شافيا يحيي -بفهمه العميق- موات العقول؛ بقدراته العلمية وبلاغته وحنكته في الخطاب وتسلسل أفكاره، وإلمامه بمفاصل موضوعه، وتنوّع ملكاته؛ فالرجل هيّأ نفسه لهذه المهمة، وأعدّ نفسه إعدادًا جهيدًا، ليمثّل اليوم حالة أو تيارا تنويريّا يستهدف إرساء قواعد التعايش والتآلف وإفاقة الأجيال الحالية من سباتها العميق؛ والأخذ على أياديهم نحو جادة النهوض، وناصية التغيير، بتوجّهات معتدلة تمثّل منهجية جادة وحقيقية لإصلاح الخطاب الديني المعاصر.
وغنيٌ عن القول بأن ما أعنيه بالتجديد هنا، ليس بالحداثة الهشة التي لا جذور لها ولا أساس، إنما هو التجديد التأصيلي للميراث النبوي الخالد.. تجديد يسمو بالخطاب إلى سماء الفكر المعتدل، بوسائل تلمس مشاعره وتتحدث من داخل إطاره، محققا التكامل في فهم الأصول والقواعد الثابتة، مع ترتيب لسلم الأولويات وتقديم الأهم بناءً على المقاصد الشرعية الكبرى للرسالة، وتسهيل تطبيق ذلك على أرض الواقع، وإبراز جانب القيم والأخلاق الإسلامية الإنسانية التي يحتاج إليها الناس، وتطبيع قيم العدل والإحسان التي يأمرنا بها الإسلام تجاه الخلق كلهم، ومعاملة الناس كلهم بالحسنى، مصداقا لقوله تعالى: "وقولوا للناس حسنى".

إنّ حديثا عن مفكر بحجم الشيخ عبدالله الشحري وعن إسهاماته الدعوية حول أرجاء عماننا الحبيبة وعن أنشطته الاجتماعية كمؤسّس ومشرف لحملة "عباد الرحمن" التطوعية - وهي حملة معروفة في محافظة ظفار يساهم فيها الكثير من الشباب العماني ولها يدٌ بيضاء كم مسحت على رؤوس اليتامى وكم فرّجت من كربات الأرامل وخففت من آلام المحتاجين- يستتبع بالضرورة تأكيدا على حاجتنا الماسة لأمثال العلامات الدينية البرّاقة على طريق الدعوة، في زمن خبت فيه روحانية الدين في قلوب الكثيرين، وأصبحت العبادات تقام كطقوس دينية خالية من الروحانيات؛ فأصبحنا أمام حالة انفصام بين قيم الدين وواقع الحياة.. وأخفق الكثير من شبابنا مع الأسف في التفريق بين الثابت والمتغير، وضاعوا بين الإفراط والتفريط.
إننا بحاجة لتلك النماذج بعد أن جرد الدين من جوهر معانيه، والعقيدة من مقاصدها العليا، فأصبح الدين شكليات، لا مضمونا جوهريا، فأهملت المعاملات، وضاعت الأخلاقيات رغم أنها عصب الدين، وركنه المتين وأول ثمرات التوحيد؛ وهو ما أكّدته النصوص النبوية المتكاثرة في هذا الخصوص، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقوله: "ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ فأعادها ثلاثا أو مرتين. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "أحسنكم خلقا".. إننا بحاجة للشيخ عبدالله وأمثاله لكي يكشف لنا مدى هشاشة الفكر الذي يضيق ذرعا بالاختلاف، والحوار، ويرفع صوته لا مطالبا بالتجديد وإعمال المنطق وحسب، بل والانغماس من أجل البرهنة على ذلك بالحجة والدليل.. إننا بحاجة لأمثال هؤلاء ليس إعلاء لشأن ديننا العظيم، وإنما إعلاء لنا كأتباع لشريعة ارتضاها لنا الخالق العليم: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".
الكثير من محاضرات الشيخ عبدالله متوفرة في حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي ومنها تلك التي ألقاها بإبراء ونزوى وصحار وجامعة السلطان قابوس بمسقط، ستتعجب أخي القارئ الكريم عندما تستمع لبعضها من حجم الثروة التي يمتلكها الشيخ في مجالات اللغة والتاريخ ونهضة الأمم والحضارات بالإضافة إلى العلوم الشرعية المتخصصة، كما أنّها ثرية بقراءات الشيخ الموسوعية وآرائه الفكرية الرصينة حول آخر ما توصل إليه الغرب من دراسات معاصرة في مجالات الفكر والتنمية وقواعد الاجتماع وربطها ربطا موضوعيا علميا بأصول ومقاصد ديننا الحنيف.
أسأل الله تعالى أن يوفق الشيخ عبدالله وأن يبارك في جهوده الطيبة وأن يكثر من أمثاله في وطننا الغالي عمان خاصة وكافة أنحاء العالم الإسلامي عامة.