الجمعة, 26 أبريل 2019
35 °c

مقال : التربية المروريَّة السليمة

الأربعاء 10 أغسطس 2016 05:27 م بتوقيت مسقط

 

 

عمَّار الغزالي

"قُل لي كيف تقود سيارتك، أقل لك من أنت".. عبارة قرأتها لأول مرة في العام 2014، حينما طالعتُ استطلاعا أعدَّه معهد "فورسا" الألماني، خلصُت نتائجه إلى أنَّ غالبية الشباب المشاركين يرون أنَّ طريقة القيادة للسيارة ترتبط بشكل واضح بمستوى ثقافة السائق. وقفزتْ تلك العبارة إلى ذهني مرة أخرى، منذ أيام، وأنا أتمعَّن المرسوم السلطاني الأخير القاضي بإجراء تعديلات على بعض أحكام قانون المرور، والتي شملتْ العديد من التغييرات "الإيجابية"، والتي تُسهم في الحد من أعداد الحوادث المرورية والحفاظ على ثرواتنا البشرية؛ باعتبارها أهم لبنة في جدار التنمية ببلادنا الحبيبة.

ولعلَّ أبرز ما تضمَّنته التعديلات إقرار عقوبة السجن لمدة 3 أشهر وغرامات مالية تصل إلى 500 ريال عُماني للعديد من المخالفات، والسجن مدة لا تقل عن شهر للممتنع عن الاختبار الطبي للكشف عن الكحول أو المخدر، والسجن والغرامة للسياقة بسرعة وتهور وللمتجاوزين من كتف الطريق دون مبرر، في خطوة تعكس توجه القيادة الحكيمة نحو ضرورة مواكبة التشريعات الجديدة للتطورات المتلاحقة التي يمرُّ بها مجتمعنا، وإيجاد وسائل ردع مختلفة لقادة المركبات الذين يستخفون بالقانون ويتسببون بالأضرار الجسيمة لسواهم؛ في إطار خطط محكمة تهدف لإيجاد بيئة مرورية آمنة وحضارية تتواكب مع ما تشهده السلطنة من تطوُّر على مختلف الصُّعد.

ولا شكَّ أنَّ اتِّباع الأنظمة واحترام القوانين العامة والخاصة المعنية بالسلامة المرورية، وما يتبع ذلك من توجيهات وإرشادات تنظِّم حركة السير، يعدُّ مُؤشراً واضحاً على الوعي المجتمعي لأبناء أيٍّ من دول العالم، يجب عليهم إدراك قيمتها وأهميتها في الحياة؛ بما يعود عليهم بفوائد عظيمة في حفظ الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة؛ إذ لا يُمكن بأي حال المساومة على الروح البشرية بأي قيمة مادية مهما بلغت.

فالحوادثُ المرورية بأنواعها، وما تخلفه من فوادح -سواء في الأرواح، أو الإضرار بالممتلكات، أو ما تحدثه من إصابات بشرية دائمة- تعتبر من أكبر المعوقات التي تواجه الخطط التنموية وأشدها من حيث الفاقد البشري والمادي للدول.

والسلطنة ليست بدعًا من الدول في هذا الخصوص، بل إنَّ الحديث عن حجم هذه المشكلة فيها، ليس أمرا ثانويا، ولا ينبغي أن يكون كذلك، في ظل تزايد أعداد الحوادث المرورية وما يترتب عليها من هدر لمواردنا البشرية وكفاءاتنا النوعية وبرامجنا التنموية التطويرية، كمجتمع يسعى لإكمال عقد التنمية المستدامة، ويعمل من أجل التطور واللحاق بركب الحضارة البشرية. إلا أن ما يؤسف له في ظل التجربة التنموية العُمانية، أن تسجِّل السلطنة المركز الخامس عالميًّا من حيث عدد وفيات الحوادث المرورية (بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية)، رغم الكثافة السكانية التي لا تتجاوز الأربعة ملايين نسمة، والاهتمام الوطني -بدءا بالقيادة الحكيمة لمولانا حفظه الله  وحكومته الرشيدة- بأهمية اتخاذ خطوات إيجابية فعَّالة للحد من تلك الحوادث؛ من منطلق ما يُمثله الإنسان العُماني من غاية وهدف وأولوية في سياق مرتكزات نهضتنا المباركة. فالحفاظ عليه وحمايته وتأكيد سلامته أمور لا يُمكن المساومة عليها أو مناقشتها.. واستلهاما من تلك المؤشرات، فقد جاءت تعديلات قانون المرور الأخيرة كخطوة أولى نحو بناء إستراتيجية وطنية متكاملة تتكاتف وتتكامل فيها جهود الجميع من أجل الحد من الحوادث المرورية، وترسيخ الفكر المروري السليم والسلوك المروري القويم.

ومن مُنطلق ضرورة توعية المواطن ببنود قانون المرور الجديد، فإنَّ الجهات المعنية على اختلاف مرجعياتها -حكومية كانت أم أهلية أم غير ذلك- مُطالبة بالتعاون والمشاركة في تحقيق هذا الأمر؛ لما له من آثار إيجابية على حسن تطبيق القانون وتعاون المواطنين معه، وعدم تعرضهم للعقوبات في حال مخالفته بشكل غير مقصود على الأقل.. وإذا كنا ندعو الجهات المعنية وغير المعنية إلى بذل المزيد من الجهود في سبيل توعية المواطنين بأهمية القانون الجديد وضرورة التعامل معه، على اعتبار أنه نقلة حضارية وتوعية جديدة تضاف إلى مسيرة البناء التي تشهدها السلطنة، فإنَّ ذلك لا يقلل من الجهود التي بُذلت في هذا الطريق، لاسيما من قبل إدارة المرور وفروعها في مختلف المحافظات والولايات، إضافة للدور المهم الذي تقوم به وسائل إعلامنا -المرئي والمسموع والمقروء- لرفع درجة الوعي المجتمعي بالالتزام بالقواعد المرورية حفاظًا على ثرواتنا البشرية، خصوصا وأنَّ القانون يهدف إلى خدمة المواطن وضمان حمايته.

وهُنا.. يتطلَّب منا جميعاً كمواطنين التعاون بشكل إيجابي وفعَّال في سياق تطبيق مواد القانون الجديد، عبر قراءته بشكل متأنٍ، والاطلاع على ما جاء فيه من بنود وحدود، والتقيد بها وعدم الخروج عليها تحت أية ذريعة؛ سيما وأن استمرار المخالفات المرورية وتزايدها بصورة لافتة للنظر يشير إلى أنَّ المشكلة ليست دائماً في الأطر التنظيمية والتشريعية التي تحدِّد القواعد واللوائح المرورية، وإنما تكمُن بالأساس في الثقافة المرورية السائدة لدى كثير من أفراد المجتمع؛ بما يُحتم ضرورة التفاعل الإيجابي من قبل الجميع مع هذه القضية للإسهام في الحد منها وتلافي تداعياتها؛ عبر تآزر مؤسساتي يعمل على تطوير وتكثيف التوعية المرورية بأساليب حديثة وفعالة، وترسيخ مفهوم التربية المرورية في مناهج التعليم العام والخاص ومقررات الكليات والجامعات؛ لتنشئة جيلٍ واعٍ وملتزم بقواعد وأنظمة المرور، ويُسهم في نشر الوعي المروري؛ بما يكفل مأمونية الحركة المرورية؛ لما للسلامة المرورية من أركان ينبغي الحرص على توافرها حتى ينهض بناء السلامة مُتماسكًا وقادرًا على حماية المستظلين به من مخاطر الطريق..

... إنَّ أداءَ حقِّ الطريق سلوكٌ أصيل وصَّى به النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كما أنه من علامات الإيمان. فإذا كانت إماطة الاذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان كما نصَّ على ذلك الحديث الشريف، فما بالكم بالحفاظ على سلامة الإنسان على الطريق؛ وهو شكرٌ للمولى تعالى على ما سخَّر لنا من نعم؛ سُبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.

رافقتكم السلامة، وأحاطكم الله بعين العناية، وجنبكم موجبات الندامة، ولا أفقدكم عزيزاً ولا أراكم مكروهاً.. وحفظ الله عُمان وطناً يروم المعالي بسواعد أبنائه.

أحمد السلماني

كاتب

سيف بن سالم المعمري

كاتب

محمد بن رضا اللواتي

كاتب ومدير الموارد البشرية بمؤسسة الرؤيا للصحافة والنشر

عزيزة الطائي

كاتب