"سقوط النظام الإيراني".. زلزال جيوسياسي يُعيد تشكيل الشرق الأوسط (2-2)

مرتضى بن حسن بن علي

 

بعد انقضاء موجة الصدمة الأولى لسقوط النظام الإيراني، تبدأ التداعيات الأعمق بالظهور، لتعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط من جديد؛ فغياب لاعب إقليمي مركزي دام حضوره أربعة عقود لا يعني نهاية الصراعات، بل دخول المنطقة في مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة على احتمالات متناقضة.

مصر وتركيا: أدوار متباينة في مرحلة انتقالية

ستتأثر مصر بصورة غير مباشرة ولكن عميقة؛ إذ إن تراجع النفوذ الإيراني سيخفف الضغوط الأمنية المرتبطة بغزة والبحر الأحمر، ويمنح القاهرة هامش حركة أوسع لاستعادة دورها التقليدي كركيزة للاستقرار العربي ووسيط إقليمي، خاصة في ظل حاجة الخليج إلى توازن عربي مقابل تمدد قوى إقليمية أخرى.

في المقابل، ترى تركيا في الفراغ الإيراني فرصة للتوسع. من سوريا والعراق، وربما داخل الجغرافيا الإيرانية ذاتها، قد تسعى أنقرة لتعزيز نفوذها القومي والجيوسياسي، وهو ما يفتح الباب أمام احتكاكات محتملة مع إسرائيل في شرق المتوسط، ومع دول الخليج في العراق، ويخلق بؤر توتر جديدة بدل إنهاء القديمة.

إسرائيل: تفوق بلا خصم أم مأزق جديد؟

بالنسبة لإسرائيل، يبدو السيناريو للوهلة الأولى انتصارًا استراتيجيًا غير مسبوق. اختفاء التهديد الإيراني، النووي والإقليمي، يعني زوال الخصم الوجودي الذي شكّل أساس عقيدتها الأمنية لعقود. غير أن هذا “الانتصار” يحمل في طياته مفارقة خطيرة.

ففي ظل تفوق عسكري مطلق، قد تميل إسرائيل إلى سياسات توسعية أكثر جرأة؛ سواء عبر فرض وقائع دائمة في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان أو توسيع دائرة نفوذها الإقليمي. لكن المعضلة الديمغرافية تظل القيد الأكبر: الفلسطينيون في فلسطين التاريخية باتوا يقتربون، بل يتجاوزون عدديًا اليهود، ما يهدد الأساس الديمغرافي لما تسميه إسرائيل “يهودية الدولة”.

كما أن غياب “الخطر الوجودي” الخارجي قد يفتح المجال لظهور جماعات فلسطينية أو إقليمية أكثر تطرفًا، لا تخضع لمنطق الردع التقليدي، ما يخلق فوضى أمنية مزمنة بدل استقرار حاسم.

الخلاصة: فوضى انتقالية ومعادلة جديدة

السيناريو الأرجح هو دخول المنطقة في مرحلة انتقالية مضطربة، تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية – الولايات المتحدة، روسيا، الصين، وأوروبا – لملء الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام الإيراني. هذه المرحلة قد تمتد لسنوات من عدم الاستقرار والعنف العابر للحدود.

لكن على المدى المتوسط، إذا انبثقت في إيران دولة أقل عدائية لاسرائيل والغرب وأكثر انشغالًا بإعادة بناء الداخل، فقد تتهيأ فرصة نادرة لخفض حدة صراعات الوكالة، وفتح نقاش إقليمي حول الأمن والطاقة والنفوذ، وربما إعادة الصراع العربي–الإسرائيلي إلى مساره الثنائي بعيدًا عن الاستقطاب الديني. .

سيناريو الضربة الأمريكية: نصر معلن أم فشل مؤجل؟

أما إذا اقتصر التدخل الأمريكي على ضربات جوية وصاروخية محدودة دون اجتياح بري، فإن التاريخ يؤكد أن هذا النمط لا يحسم الحروب ولا يسقط الأنظمة. بل قد يمنح السلطة في طهران غطاءً لتشديد قبضتها، والرد عبر استهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

وفي حال قررت واشنطن التراجع عن الضربة – كما توحي بعض تصريحات الرئيس ترامب – فإن ذلك لا يعني نهاية الأزمة، بل استمرار حالة الردع الهش، مع بقاء المنطقة معلّقة بين التصعيد والانفجار المؤجل.

الشرق الأوسط بعد إيران لن يكون أكثر هدوءًا بالضرورة، بل مختلفًا جذريًا… وأكثر خطورة في مرحلته الانتقالية.

الأكثر قراءة

z