الأربعاء, 26 سبتمبر 2018

خبر : تنويع مصادر الدخل والتنمية المستدامة

الثلاثاء 19 أبريل 2016 12:22 ص بتوقيت مسقط

عبد القادر عسقلان

السؤال الذي يُطرح: هل الرفاهيّة ووفرة الدخل تعمل على تحفيز الفكر أم خمول التفكير والتباطؤ في التطوير؟..

إنّ الأزمات الاقتصادية فرصة للبحث عن الاصلاح ومن الحكمة استغلالها، فأحيانا الركود الاقتصادي نعمه والازدهار نقمة، فما نصّت عليه محاور خطة الرؤية المستقبلية لاقتصاد عمان 2020 أكدت على ضرورة استغلال الموارد الطبيعية المتاحة، والموقع الجغرافي المتميّز الذي يمنح السلطنة ميزة لتكون رائدة في مجال السياحة؛ إضافة إلى مجال استغلال الثروات الطبيعية كالأسماك والمعادن، إلا أنّ هذا الطوح وهذا التوجّه لم يتحقق على أرض الواقع، لأننا قمنا بالتوسّع في الإنفاق على رفع المستوى المعيشي للمواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية وتوفير فرص العمل مما أدّى إلى توفير الدعم للسلع الضرورية وهذا التوجّه في ظل وفرة الدخل نتيجة لارتفاع أسعار النفط أدى إلى قيام تنمية سُميّت (غير مسبوقة)، وبالفعل فإن تطوير الأحوال المعيشية لمواطن في سلطنة عمان خلال السنوات الماضية كانت غير مسبوقة مقارنة بما كان عليه المواطن قبل النهضة المباركة، وكانت نهضة استهدفت البشر قبل كل شيء، ولا شك أنّ بناء البشر أمر ضروري، لكن دون أن ننسى ضرورة تحقيق تنمية مستدامة لكافة الأجيال.

التنمية المستدامة لا تتحقق باعتماد الاقتصاد على سلعة واحدة لعبت دورًا هامًا في التنمية في بداية النهضة المباركة، لكن لا يمكن الاستمرار في الاعتماد عليها لوحدها إذا كنا نريد استمرارية هذه التنمية، ولهذا يتوجب علينا إيجاد الوسائل والسبل التي تعمل على تنويع مصادر الدخل من أجل تحقيق التنمية المستدامة.

إنّ العوامل الأساسيّة التي يعتمد عليها تنويع الدخل القومي هي التخطيط السليم في إيجاد القدرات والمهارات الذاتية لدى الشباب من خلال مناهج التعليم، وكذلك إيجاد الحوافز التي تشجع الفعاليات الاقتصادية في القطاع الخاص من أجل أعطاء الأفضلية المطلقة للاستثمار في بلدهم، مع إزالة كافة العوائق التي تحد من هذا التوجه، ومتى أصبح المستثمر المحلي لديه القناعة بهذا التوجّه، عندها سيعطى التشجيع للمستثمر الأجنبي للبحث عن فرص للاستثمار في المنطقة، إذا لا يمكن للمستثمر الأجنبي أن يبحث عن فرص للاستثمار في بلد أحجم مواطنوه عن الاستثمار فيه.

خلال خطط التنمية السابقة كانت إسهامات القطاع الخاص في مجالات المشاريع الإنتاجية ضعيفة ومحدودة واعتمدت أنشطة القطاع الخاص في الاقتصاد على النشاط التجاري الاستهلاكي والذي بدوره الآخر اعتمد على النفط، ولم يأخذ هذا القطاع أيّة مبادرات ذاتية لخلق مشاريع إنتاجيّة تساعد على تنويع الدخل القومي باستثناء بعض المشاريع الصغيرة إذا كانت الإيرادات المقدرة لعام 2015 يمثل النفط فيها 70% من إجمالي الإيرادات حوالي 8.5 مليار ريال، وتمثل إيرادات الغاز ما نسبته 13% أي 1.50 مليار ريال عماني والإيرادات غير النفطية 14% أي 1.8 مليار ريال وهذه تمثل الرسوم والضرائب.

أمام هذه الأرقام ما هي إسهامات الشركات ومنشآت القطاع الخاص في الدخل القومي؟؟

لهذا لابد من قيام حوار دائم وصريح بين الحكومة والفعاليات الاقتصادية في القطاع الخاص للبحث في كافة العوائق التي تجعل هذه القطاعات تتردد في استثمار أموالها في بلدها حتى تصبح لديها القناعة بألا تحصر هذه القطاعات نشاطها فقط في المجال التجاري (استيراد البضائع الاستهلاكية) وانما يتوجب ان تتجه إلى القيام بمشاريع إنتاجية والتي تخلق نشاطا تجاريا في مجال التصدير حتى يكون هناك رافد للاقتصاد وتنويع للدخل.

إنّ القطاع الخاص هو من أهم البدائل الناجحة التي تعمل على معالجة انخفاض أسعار النفط وإيجاد المشاريع الإنتاجية التي تساعد على تنويع الدخل القومي، لكن المهم أن نحدد ما هي المعوقات التي تحد من إقدام القطاع الخاص على أخذ دوره في أن يكون مساندًا للحكومة في بناء اقتصاد متنوّع يؤدي إلى التنمية المُستدامة ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعيّة، ومن حسن الحظ أن غالبيّة مواطنينا من الشباب ويجب التركيز على تأهيلهم في مجال المعلومات والتقنيات والاتصالات حتى يأخذوا دورهم في تنمية مجتمعهم ويكونون فاعلين في إنتاجهم، متطلبات القطاع الخاص تتمثل في إيجاد سياسات واضحة بعيدة عن البيروقراطيّة في التعامل وإنجاز المعاملات، وإيجاد البيئة المناسبة لتشجيع الاستثمارات المحليّة والأجنبية وتهيئة الجو المناسب للعمل ووضع القوانين التي تساعد على إزالة المعوقات التي تحد من تفاعل القطاع الخاص مع المتطلبات التي تساعد الحكومة على رسم سياسة اقتصاديّة لا تعتمد على النفط كمصدر وحيد للدخل، إضافة إلى:

1- العمل على صياغة واعتماد سياسات نقديّة تحفّز على الاستثمار بدلا من تجميد الأموال.

2- المراجعة المُستمرة للبرامج الإصلاحيّة الاقتصادية للتأكّد من مسارها ونتائجها.

3- إجراء دراسة دقيقة لمصادر الاحتياطيات الأجنبية والاستعداد لمواجهة كافة الاحتمالات.

4- فتح حوار مع البنك المركزي العماني من أجل تشجيع البنوك المحلية لمساندة وتمويل القطاع الخاص من أجل قيام مشاريع صناعية إنتاجية ومشاريع لتطوير صناعة الثروة السمكيّة، والتعدين والسياحة.

وتشجيع البنوك للدخول في شراكات مع القطاع الخاص في هذه المجالات، ويمكن إعادة دراسة القانون المصرفي فيما يتعلق بنسبة مساهمة البنوك في مثل هذه الشركات والتي لا تسمح بأكثر من 5% ولننظر إلى دور البنوك في الدول الصغيرة وذات الاقتصاد القوي كسنغافورة، فإنّ البنوك تلعب دورًا تمويليًا واستثماريًا أوسع من تقديم التسهيلات التقليدية والقروض الشخصية التي تقدمها البنوك التجارية حاليا حتى تساهم في دعم المشاريع الإنتاجية التي تعمل على تنويع مصادر الدخل القومي وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد لهذا الدخل.

وأخيرا إعطاء الطمانينة والأمان للمستثمر سواء كان محليا أو أجنبيا، وذلك بالابتعاد عن البيروقراطية في التعامل، والحرص على عدم سن القوانين التي تؤثر على مسيرة الاستثمار المحلي والخارجي، والتي تتعلق بإنجاز المعاملات والرواتب وعلاقة العامل مع إدارة شركته، وعلينا أن نضع ما أوضحه صاحب الجلالة منذ بواكير عهد النهضة المباركة موصيًا بكلمات مضيئة: "إن الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون نفوذًا وسلطة، وإن العدل أبو الوظيفة وحارسها، فتمسكوا به وعاملوا الجميع بمقتضاه، فلن يكون في مجتمعنا منحرف أو متقاعس عن أداء واجبه، كما أنّه سيكون لكل مجتهد نصيب في التقدير والعرفان".