محمد بن علي الرواحي
لم يظهر مسلسل «القافر» بعد على الشَّاشة، ولم تُتح للجمهور فرصة مشاهدة تفاصيل الأدوار أو طبيعة الحضور الفني للمُشاركين فيه، غير أنَّ بعض الأسماء تسبق العرض بضجيجٍ صامت تصنعه الموهبة وحدها، ومن بين تلك الأسماء يبرز الطفل فارس الرواحي الذي يخوض تجربته التمثيلية ضمن العمل الجاري تصويره حاليًا استعدادًا للموسم الرمضاني القادم.
هذه ليست قراءة في أداءٍ مُشاهَد؛ بل تأمل فني في ملامح موهبة يمكن أن تتشكل باكرًا، استنادًا إلى طبيعة الحضور الذي يظهر في الصور المتداولة من كواليس التصوير، وإلى الانطباع الذي يتركه الطفل حين يقف أمام الكاميرا بثقةٍ هادئة لا تتوافر غالبًا في هذا العمر، فملامحه التعبيرية، وهدوء نظراته، وطريقته الطبيعية في الوقوف أمام العدسة، كلها مُؤشرات أولية تُستدل بها عادة على قابلية عالية للتمثيل.
ويبدو أن تجربة فارس في «القافر» لا تقتصر على الظهور أمام الكاميرا فحسب، بل تمثل احتكاكًا مبكرًا بعالمٍ احترافي يعلّمه الانضباط والإحساس بقيمة المشهد والعمل الجماعي، فالطفل حين يتواجد في بيئة تصوير حقيقية يتشرّب لغة الكاميرا وحسّ الأداء دون وعيٍ مباشر، الأمر الذي يصنع لديه ذاكرة فنية مبكرة تصبح لاحقًا أساسًا لنضجٍ تمثيلي متقدم، ومن هنا يمكن القول إن هذه المشاركة تشبه البذرة الأولى في تربة خصبة، إذ إن التجارب المبكرة في الأعمال الدرامية الكبرى غالبًا ما تتحول إلى محطات فاصلة في حياة الممثلين، خاصة عندما تقترن بالموهبة الفطرية والحضور الطبيعي.
واللافت أن دخول فارس من بوابة عمل تراثي واجتماعي يمنحه مساحة أكثر عمقًا من حيث التجربة، لأنَّ هذا النوع من الأعمال يعتمد على الصدق الشعوري والتعبير الهادئ أكثر من الاعتماد على الاستعراض، الأمر الذي يُساعد الممثل الصغير على بناء أدواته منذ البدايات الأولى.
ومن هنا يمكن النظر إلى فارس بوصفه مشروع مُمثلٍ قادم إذا ما استمرت الرعاية الفنية والتوجيه الصحيح، إذ إن كثيرًا من الأسماء اللامعة بدأت من تجارب طفولية مشابهة تحولت مع الزمن إلى حضورٍ راسخ، فالموهبة حين تظهر مبكرًا، وتُصقل بالتدريب والاحتكاك الواعي، تنمو بثبات، وتتحول من مجرد تجربة إلى مسارٍ احترافي.
إنَّ الحديث عن فارس اليوم ليس احتفاءً بدورٍ لم يُعرض بعد، بل هو قراءة في احتمالات مستقبلٍ فني تلوح ملامحه منذ الآن، واستشراف لاسمٍ صغير قد يكبر قريبًا في ذاكرة الدراما العُمانية إذا وجد البيئة التي تحمي موهبته، وتغذيها، وتمنحه الفرصة ليكبر على مهلٍ أمام الضوء.
