لماذا تراجع ترامب عن الخيار العسكري في إيران؟

 

 

مرتضى بن حسن بن علي

 

في ذروة التوتر بين واشنطن وطهران، بدا العالم وكأنَّه على أعتاب مُواجهة عسكرية مفتوحة قد تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. إلا أن قرار ترامب بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات أعمق: هل كان التراجع قرارًا سياسيًا ظرفيًا، أم قراءة واقعية لتوازنات القوة، أم اعترافًا ضمنيًا بأنَّ الأزمة مع إيران لم تعد عسكرية بحتة، بل اقتصادية وسياسية مركّبة؟

أولًا: لا يمكن فصل هذا القرار عن المخاوف الإقليمية والدولية من حرب شاملة. دول الخليج، رغم خلافاتها العميقة مع طهران، كانت من أكثر الأطراف قلقًا من اندلاع مواجهة مُباشرة، لما تحمله من تهديدات للبنية التحتية الحيوية، من منشآت نفطية وموانئ وممرات بحرية، استثمرت فيها هذه الدول مئات المليارات. أي صراع مفتوح كان سيحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف طويلة، بلا منتصر واضح.

ثانيًا: الحسابات الأمنية الأمريكية نفسها لعبت دورًا حاسمًا. القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا، إضافة إلى المصالح الاقتصادية الكبرى، كانت أهدافًا محتملة لرد إيراني واسع. التقارير الاستخباراتية أشارت إلى امتلاك إيران قدرات صاروخية وتقنية قادرة على توسيع نطاق الصراع إقليميًا، ما يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية إلى مستويات غير محسوبة.

ثالثًا: حتى الحليف الإسرائيلي، ورغم خطابه المتشدد تجاه إيران، يدرك أن أي حرب شاملة ستجعل مدنه وبنيته التحتية تحت تهديد مباشر؛ فالصراع، إن اندلع، لن يبقى محدودًا أو مضبوط الإيقاع، بل قد يتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز قدرة السيطرة السياسية والعسكرية، لكن خلف هذه الاعتبارات العسكرية، يبرز عامل غالبًا ما يُهمل في التحليل: الاقتصاد الإيراني نفسه؛ فإيران اليوم تُواجه أزمة اقتصادية هيكلية خانقة، تفاقمت بفعل العقوبات الدولية، والفساد المؤسسي، وسوء الإدارة المزمن، إلى جانب التضخم المرتفع، وتراجع قيمة العملة، وتآكل القدرة الشرائية، كلها مؤشرات على أن الضغوط الاقتصادية باتت تشكّل التحدي الأكبر للحكومة الإيرانية، وربما أداة ضغط أكثر فاعلية من الخيار العسكري.

هنا تكمن المفارقة: واشنطن ربما أدركت أنَّ الاقتصاد، لا الصواريخ، هو ساحة المعركة الحقيقية؛ فإيران تحتاج اليوم إلى إصلاحات داخلية عميقة تبدأ بإصلاح النظام المصرفي المتهالك، ومعالجة القروض المتعثرة، وتعزيز الشفافية. كما أن تقليل الاعتماد على النفط بات ضرورة وجودية، عبر تنويع مصادر الدخل في الصناعة والزراعة والسياحة، وهي قطاعات قادرة على خلق وظائف وتخفيف الضغط الاجتماعي.

كذلك، لا يمكن السيطرة على التضخم دون سياسات نقدية ومالية صارمة، تشمل استقلالًا حقيقيًا للبنك المركزي، وضبط عرض النقود، وإصلاح نظام سعر الصرف الذي يُعاني من ازدواجية قاتلة بين السوق الرسمية والموازية. أما دعم الطاقة، فقد أثبت بصيغته الحالية أنه يستنزف المالية العامة، ويحتاج إلى إعادة توجيه ذكية تحمي الفئات الأضعف دون تشويه الأسعار.

في البُعد الخارجي، تظل الدبلوماسية الاقتصادية خيارًا لا غنى عنه؛ فإحياء الاتفاق النووي، أو على الأقل فتح قنوات تواصل مع الغرب، قد يُخفِّف من وطأة العقوبات. كما إن تعزيز العلاقات مع دول الجوار، والانخراط في أطر اقتصادية إقليمية، يمكن أن يفتح نوافذ محدودة لكنها مهمة للتنفس الاقتصادي.

التحدي الأكبر، مع ذلك، يبقى سياسيًا داخليًا؛ فالإصلاحات الحقيقية تصطدم بمصالح شبكات مستفيدة من الوضع القائم، وبثقافة إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة لا بالمعالجات الجذرية. كما إن الثقة الدولية المفقودة لا تُستعاد بقرارات إعلامية؛ بل بسلوك اقتصادي وسياسي متراكم.

في الخلاصة.. لم يكن تراجع واشنطن عن الضربة العسكرية تعبيرًا عن ضعف، بقدر ما كان اعترافًا بأنَّ الحرب مع إيران- إن اندلعت- ستكون بلا أفق واضح. وفي المُقابل، فإنَّ أمام إيران فرصة تاريخية، وإن كانت ضيقة، لتحويل الضغوط إلى مدخل لإصلاح اقتصادي حقيقي. لا حلول سحرية هنا؛ بل خيارات صعبة تتطلب شجاعة سياسية وتحمّلًا اجتماعيًا مؤقتًا، أو استمرار الدوران في حلقة الأزمات… إلى إشعار آخر.

الأكثر قراءة

z