ناصر أبوعون
في هذه المرثية/ (بكائيّة الخَالة)، تتجاوز الشيخة الفقيهة حليمة الكنديّة حزنها الشخصيّ على فقدانها ابن أختها الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائيّ إلى توجيه القراء والمُتلقين إلى التسليم بما جرت به يد القضاء، والإيمان المطلق بحكمة الله، فضلًا عن استحضار أثر الشيخ هاشم الطائي في المجتمع العلمي والفقهي. لذا سيلحظ القاريء تشابك عاطفة الفقد مع قيم التقوى والرضا والصبر في سائر الأبيات.
من هي الشيخة حليمة الكِنْدية؟
الشيخة (حليمة بنت الشيخ الفقيه العلّامة سعيد بن ناصر بن عبد الله الكِنْدِيَ 1919 - 2002)، وأمُّها الفاضلة (عِيْنَة بنت ناصر بن عامر الطائيّ)، ومن حسن الطالع أن الشيخة حليمة جمعت أواصر العلم وفَخَار النَّسب من نَبْعين مُتَدفقين؛ فمن ناحيةِ أبيها ورثت سماتها من قبيلة كِنْدة، ومن ناحية أمِّها أخذت صفاتها من قبيلة الطائيّ، وكلتا القبيلتين يتصل نسبهما إلى (سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان)، وكلا النَّبعين نَذَرَا أنفُسَ ذريّاتِهم في خدمة علوم الشريعة الإسلامية وأصول الدين، ونسخ الكتب والمتون، فحاز الطرفان – ولافخر- شرف تبليغ الرسالة المحمّدية بين أقطار الإمبراطورية العُمانيّة قديمًا وحواضر إفريقيا قاطبةً، وحمّلوا مسؤولية نقل أصول المذهب الإباضيّ من جيلٍ إلى جيل، بما نسخوه من مخطوطات مُتداولة إلى الآن في المكتبات العامة والمجموعات الأُسْرِيّة الخاصة، ومازالت آثارهم ممتدة؛ فصاحب العلم لا يموت، وقضيته لا تندثر. ويُذكر أنّ الأخ الأكبر للشيخة الفقيهة حليمة بنت سعيد الكنديَ المُكنّى بـ(أبوسلام) سليمان بن سعيد بن ناصر الكنديّ تزوَّج مرتين من فتاتين من قبيلة الطائي، الأولى واسمها:(فاطمة بنت موسى بن صالح الطائيّة)، وأمّا الأخرى فاسمها (شريفة بنت صالح بن عامر الطائية)، ورزقه الله خمسة أولاد ذكور، أربعة منهم وُلِدوا وعاشوا في نزوى؛ وهم: (سيف)، و(حمد)، و(علي) و(سلام) و(عبدالله)، أمّا أخوهم الخامس (عليٌّ) فقد وُلِد في نزوى، وعاش في مدينة جوادر في (إقليم بلوشستان) على الساحل الجنوبيّ الغربيّ لجمهورية (باكستان) أيام كانت تحت الحُكم العمانيّ.

من هو الشيخ هاشم الطائيّ؟
الشيخ الفقيه القاضي هاشم بن عيسى بن صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف الطائي؛ والده الشيخ عيسى بن صالح قاضي قُضاة مسقط في عصر السلطانين تيمور بن فيصل ومن بعده ابنه السلطان سعيد بن تيمور. وورث النباهة والحصافة من جدّه الشيخ القاضي صالح بن عامر، وجدّه الأعلى الفقيه القاضي سعيد بن عامر. أما من ناحية أمّه فقد تربى الشيخ هاشم بن عيسى الطائي في حِجِر جده لأمّه العلامة القاضي الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد الكندي. والجدير بالذكر أن نشير إلى زواج الشيخ هاشم بن عيسى الطائي بأربع نسوة؛ اثنتين من(آل كِنْدة) والفاضلة (عزة السمائليّة)، وكان ذلك زمن توليه القضاء في (سمائل) و(بدبد) زمن الإمام الرضي محمد بن عبد الله الخليلي [1919- 1954م]؛ وأمَّا زوجه الرابعة فكانت من (بني فلاح)، وأعقب من (الكِنْدِيتَيْنِ) ستة عشر بطنًا، وكان له من حليلته الأولى الفاضلة جوخة بنت أحمد الكندية عشرةَ بطون؛ وأربعة أولاد وست من البنات الفُضليات؛ وأورثه الله من الكنديّة الأخرى الفاضلة علياء بنت سعود بن سليمان الكندية ولدًا واحدا وخمس بنات، وعاش جُلَّ عمره في بوشر. وللشيخ الفقيد القاضي هاشم بن عيسى الطائيّ – رحمة الله عليه - آثار علمية شعرية متناثرة في بطون الكتب وصدور معاصريه، وطبعت له دار العنان كتاب (دليل المحتار في شرح بهجة الأنوار 2026)، فضلًا عن مأثوراته الشعرية، وقد اشتهر في أغلب نظمه بقصائد تحث على طلب العلم، وبرع في فنون المديح، ومن قصائده المتداولة على الألسنة مديحه للسُّلطانين سعيد بن تيمور وابنه السلطان قابوس – طيَّب الله ثراهما-
اتجاهات الرِّثاء والسمات الأسلوبية
من حيث الغرض الشعريّ الذي تنتمي إليه قصيدة الشيخة الفقيهة حليمة الكندية فهو الرثاء إلا أنّه (رثاء أخلاقيّ ودينيّ)، أمّا على المستوى التعبيريّ، فإنَّ اللغة الشِّعريّة ذات مرجعية تراثية، ترتكز في نبرتها على المناجاة والدعاء والتقرير الوعظي، مقرونة بسرْدٍ محدود ودراما نابعة من الغرض الرثائي. أمّا على صعيد الانزياحات البيانيّة، فسيعثر القاريء على مواطن ثرّة فيها تشخيص للجمادات، وتصوير المعاني النفسية بصور حسية، وتكثيف دلالة الموت من خلال التراكيب المجازية. وبناءً على ما تقدّم، يمكننا القول: إنَّ الخصوصية الأسلوبية لهذه القصيدة تجسدت في ثلاث سمات كبرى: أمّا السمة الأولى، فهي ترتكز على توجيه تجربة الموت والفقد ضمن إطار الرجاء والرضا والإيمان. ويمكننا تسميتها اصطلاحًا بـ(التكثيف الدينيّ). أمّا السمة الثانية، فتقوم على إعادة بناء الحُزن الشخصيّ في مشاهد تخييليّة ذات أثر وجدانيّ، وتشكيله أيضًا في صور لغوية؛ وهو ما يُعرف اصطلاحًا بـ(التكثيف الدينيّ). أمّا السمة الأسلوبية الأخيرة، وتُعرف بـ(التكثيف الأخلاقي)، حيث شاهدنا كيف تحوَّلت ذكرى وفاة الشيخ هاشم بن عيسى الطائيّ إلى نموذج للفضيلة، ونرى كيف صار رثاؤه وسيلة للتأبين والاعتبار. وعلى صعيد آخر رصدنا لهذا النوع من الرثاء ثلاثة اتجاهات رئيسة: أمّا الاتجاه الأول، ويمكن تسميته بـ(الرِّثاء الوَعْظيّ) في قول الشيخة حليمة الكندية [وَلَا خَيْرَ فِي نَوْحٍ وَفَقْدٍ وَلَطْمَةِ]، وهو اتجاه يرتكز في وظيفته على استخلاص العِبرة من الموت ودعوة الناس إلى الرضا والصبر والتسليم بقضاء الله. وأمّا الاتجاه الثاني، ويُسمّى بـ(الرِّثاء التأبينيّ) ومن نماذجه قول الشاعرة:[كَرِيمٌ تَقِيٌّ زَاهِدٌ مُتَوَاضِعٌ]، ويقوم هذا الاتجاه على تِعْداد صفات الشيخ هاشم الطائيّ، والإشارة إلى مناقبّه الدِّينيّة والاجتماعية، ورَصْد صفاته الخُلقية. وأمَّا الاتجاه الثالث من الرثاء في هذه القصيدة، فيُعرَف بـ(الرثاء الوجدانيّ)، وهو اتجاه ضَجَّ بتعبيرات شتى عن ألم الفقد نذكر منها: [فَقَدْنَاهُ فَقْدَانَ الرَّبِيعِ]، و[لَقَدْ عَزَّ فِينَا الْفَقْدُ].
المعنى المركزيّ للقصيدة
في هذه القصيدة لا يُشَار إلى (الموت) كثيمةٍ بيولوجية مُعتادةٍ، بل رؤية فلسفية وحياتية صقلتها التجارب، وبِوَصْف الموت كتجربة تدعو المبتلين بتقييم سلوكياتهم وإعادة التفكير في الحياة كدار عمل ومَعْبر إلى الخلود الأخرويّ، ومن ثَمَّ تحملُ دعوةً إلى تثبيت معنى الرضا. وبناءً عليه حوّلت الشاعرة مناقب الشيخ هاشم الطائيّ إلى مِعيار أخلاقيّ تجاوزت بها فكرة التأبين إلى دعوة ضِمنية للمُتلقين إلى الاقتداء بالقيم الأخلاقية، التي كان يُجسدُها المتوفّى في محيطه العِلميّ والاجتماعيّ، فضلًا عن توظيف الشيخة حليمة الكنديّ للصور البلاغية في تجسيد المعاني المجردة؛ فالربيع يُمثِّل الحياة والتجدُّد، والنبع يُمثِّل العطاء، والنعش يُمثِّل المشهد الجنائزيّ، والمحراب يُمثِّل العبادة؛ لذا تَصَدَّر الحقلُ الدِّينيّ عنوانَ المُعجم الشعريّ وطغى على مُفرداته، ثُم تفاعل مع حقول الحزن والفقد والقرابة والأخلاق والزمن لإنتاج البِنية الموضوعاتيّة للقصيدة. وبناءً عليه فإنّ المعنى المركزي للقصيدة ارتَكَز في توتّره على محورين متاوزيين: محور شدة الفقد من جهة، ومحور التسليم بالمشيئة الإلهية من جهة أخرى، ولا يلغي أحد المحورين الآخر، بل يتجاور المحوران داخل التجربة الرثائية للشاعرة الفقيهة حليمة الكنديّة.
اتجاهات الإيقاع وأنماط التواتر
مع إعادة قراءة القصيدة أسلوبيًّا سنلاحظ بعض المفردات (الكلمات الموضوعاتية) تتكرر، وتتوزّع على صيغ متقاربة، واشتقاقات متضافرة دِلاليّا ،وتتعاون جميعها في تكوين مركز الثقل في القصيدة. ومن ثَمَّ يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط من (التواتر)؛ فأولها (التواتر الاشتقاقيّ) ونرصده في صيغ متباينة تتصل جميعها بمادة (البكاء)؛ وإن كانت هذه الصيغ لا تتساوى في صورتها اللفظية، مثل: [يبكيك، وتبكيك، وبكاء]. وثانيها (التواتر اللفظيّ المباشر) مثل تكرار كلمات: [الله، واللهُمّ، ويمضي]، والنمط الثالث ويُعرفُ بـ(التواتر الدلاليّ)، وهو عبارة عن مفردات مختلفة تؤدي وظائف متعددة ضمن حقل وسياق واحد. مثل [الموت والفقد والنعش والقبر والمصيبة]. أمّا عن الاتجاهات الإيقاعية، والتي تجتمع داخل البنية الكلاسيكية للقصيدة، فهي ليست حِلْية خارجية، بل جزء من التجربة النفسية والشعورية؛ فهناك ثلاثة اتجاهات إيقاعية دلاليّة: أولها (الإيقاع الوعظيّ)، ويتجلَّى في الجُمل التقريرّية، التي تتناول الموت وفناء الدنيا والرضا بالقضاء. وثانيها (الإيقاع الرثائيّ) ويتشكل من التكرار والتراكم الوصفي واستدعاء مظاهر الحزن. والاتجاه الأخير وهو (الإيقاع الدُّعائيّ)، ويتأسس على النداء والطلب والتضرع، ويمنح الخطاب نبرة مُناجاة.
البنية الموضوعية والوصفية
في هذه القصيدة بِنيَة مُركَّبة يتداخل فيها الرثاء بصورته الشعرية الغنائية مع الوعظ الدينيّ والتأبين الأخلاقيّ، وهذا التداخل منحها قدرة على تحويل الحزن إلى تأمّل في الموت والفضيلة والمصير. وعلى محور آخر تشكّلت داخلها بِنية موضوعية متدرجة بدأت بالحمد والدعاء، ثم انتقلت إلى الفقد والمناقب والموعظة والرجاء الأخرويّ. وهذه الوحدات تربطها مرجعية دينية واحدة، بينما تتسم البِنية الوصفيّة بالتوازن بين الصفات الثابتة للمرثي، مثل الكرم والتقوى والزهد، والأفعال التي تمثل حضوره وأثره في الآخرين. ويسهم التوازي والتكرار والتراكم الوصفي في تحقيق الترابط الداخلي، حتى عندما تتغير موضوعات الأبيات من الحزن إلى الوعظ أو الدعاء، ويهيمن الأسلوب الشعري، في حين يظهر السرد بصورة محدودة، وتتجلى الدرامية في المشاهد التخيلية، وتظهر المناجاة بوصفها شكلًا مركزيًّا من أشكال الخطاب.
