ناصر أبوعون
في سنة 1943م وَدَّعَ عالمنا شاعرٌ كان أحد أعمدة الاستنهاض القوميّ العربيّ، وقُطبًا ركينًا في مدرسة الإحياء والبعث عُمانيًّا وخليجيًّا؛ وكان لاشتغاله بالسياسة والقضاء أثرٌ على قِلّة مُنجزه الشعريّ؛ فاشتغال الشيخ عيسى الطائيّ بالقضاء والفقه أكل منه ساعات نهاره، فضلًا عن انشغالاته الإداريّة بمنصب (قاضي قضاة مسقط)، مضافًا إليها مهامه السياسيّة التي كلّفها بها سلاطين عُمان في إقليم جوادر وداخلية عُمان، بل زاد من انشغاله عن التفرغ للإبداع الأدبيّ اتصاله بالصحف السيّارة في مصر والجزائر وزنجبار والكويت والأستانة مراسلًا وكاتبًا صحفيًّا عن أحوال عُمان، وما يجري فيها من أحداث سياسية، ومنجزات تنمويّة والتي اقتطعت من وقته القدر الأكبر، فلم تمكِّنه من التفرُّغ للكتابة، وربَّما اختفت الكثير من صحائفه ومخطوطاته تأثّرا بتنقله بين الديار والبقاع، أو أهملتها أيدي النسّاخ.
وُلِد الشيخ عيسى بن صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف الطائيّ في ولاية سمائل عام 1306هـ الموافق عام 1889م بحسب المصادر التي أرّخت لسيرته، ثم انتقل بصحبة والده صالح بن عامر القاضي بمحكمة مسقط؛ للإقامة في ولاية بوشر، وعاش الشطر الأكبر من حياته رجلَ دولة من الطراز الرفيع، وعاصر ثلاثة سلاطين تعاقبوا على حُكم سلطنة عُمان؛ بدءًا من السلطان فيصل بن تركي، ثم أنعمَ عليه السلطان تيمور بن فيصل بمنصب قاضي قُضاة مسقط، وقرّابه من بلاطه فكان أحد مستشاريه الأمناء، وظلّ في منصبه في حُكومة السلطان سعيد بن تيمور إلى أنْ توفي سنة 1943م عن عمر ناهز الـ54 عامًا مخلِّفًا العديد من الآثار العلمية، التي أدرك بعضًا منها الباحثون قبل أن يمّحي أثرها، فأحييوها تحقيقًا ودراسة؛ فكان أولها: "القصائد العُمانية في الرحلة البارونيّة" حققها الباحث العُماني سلطان بن مبارك الشيباني، وهي يوميات تسجيلية لجولته التعريفيّة في ربوع سلطنة عُمان بصحبة المناضل الليبيّ سليمان باشا البارونيّ، وثانيها: "كشف السِّتار عن حالة ظَفار" واشتغل على تحقيقها كاتب هذا المقال (ناصر أبوعون)، وهذا الكتاب من أدب الرحلات في أسلوبه وبنائه الفنيّ ويضم تسجيل لمشاهدات الشيخ عيسى الطائيّ في إقليم ظَفار بعد أن شدَّ الرحال إليها في الرابع والعشرين من شهر شعبان عام 1341 هـ الموافق أبريل عام 1923م، بصحبة السلطان تيمور وبعض سادة أسرة البوسعيد، وثالث كتبه الأدبية: "ديوان شعريّ" حقّقه الباحثة جمعة الحارثيّ في طبعته الأولى، وفي طبعته الثانية صاحب التحقيق دراسة نقدية أسلوبية لجميع قصائده كتبها ناصر أبوعون، وثالث آثاره: "سؤالات وأجوبة فقهية"، أمّا رابع آثاره: "كتاباته الصحفية في بعض الصحف العربية الشهيرة" في زمانه فكان يراسل: المنهاج والشباب والشورى ووادي ميزاب والفلق.
وظيفة اللغة الشعرية عند الطائي
تندرج قصيدة الشيخ العلّامة عيسى بن صالح الطائي قاضي قُضاة مسقط غير المعنونة، والمنشورة بمجلة المنهاج القاهرية، الصادرة عن المطبعة السَّلَفيّة في عددها بشهري مُحرّم وصفر، ص: 26/27، سنة 1345هـ، والتي مطلعها: (أقومي إنّ للعُليا رِجالًا/ لهم في نَيْلِها رأيُّ وفِكْرُ) في خانة الخطاب الشعريّ الاستنهاضي. وأهمية هذه القصيدة ترجع لارتكازها على سياق تاريخيّ تتقاطع فيه رؤى وتساؤلات الخطاب النهضويّ العُماني -ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين- مع التجربة النِّضالية، التي خاضها المناضل الليبيّ سليمان باشا الباروني في سبيل إعادة اللحمة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار الغربيّ للمنطقة العربية؛ ولذلك وظّف الشيخ عيسى الطائي لغته الشعرية في سبيل استثارة الوعي الجمعي، ومقاومة الرجعية، والدعوة إلى استعادة أمجاد الأمة.
الوصف ووظيفته وبِنْيته
في هذه القصيدة يرد الوصف منسوجًا في بِنية الخطاب الشعري الاستنهاضيّ، وقد اتخذ الشيخ عيسى الطائي من وصف شخصية سليمان باشا الباروني والواقع المُعاش وسيلةً للتوجيه والإقناع، ولم يكتفِ باستعراض صفات الباروني وواقعنا العربيّ، بل أدرجها مُرَتَّبةً داخل منظومة من القيم بُغية توجيه المستمعين والقراء وحضِّهم على تبني موقف إيجابي من الباروني كشخصية قومية إصلاحية، ومن ثمّ سنجد الوصف في القصيدة أداة رابطة تجمع بين تشخيص الواقع والدعوة إلى تغييره؛ لذا يمكن تسميته اصطلاحًا بالوصف التقويمي الحجاجي الديناميكي، الذي يتداخل مع المدح والفخر والتقريع والحث في نسيج شعريٍّ واحد. ويمكن للقاريء اكتشاف ثلاث طبقات زمنية من الوصف في متن القصيدة؛ فـ(الماضي) وظفه الطائيّ لاستحضار أمجاد أمته القديمة بقوله:(أين مجدكم قديمًا؟)، و(من سلفوا ملوكًا)، ولم يكن الوصف هنا يستهدف استعادة الذكريات، بل وظّفه الطائيّ كمعيار لمحاكمة الواقع المعاش. كما تجلّى (الحاضر) في تشخيص الطائيّ لأحوال أمته وتقلباته، ومن خلاله قدَّم لنا سليمان الباروني كنموذج مثالي يُحتذى به في القيادة. وظهر (المستقبل) في استعمال صيغ الأمر وتحريض كل مثقف عضويّ على التحرّك لإنقاذ الأمة، في قوله: (فكونوا)، و(أقم)، و(جدد)، و(اخدم)، و(اثبتنّ)، و(قُمْ فيه عزيزًا). وهكذا تشكلت في القصيدة بنية زمنية متحركة من (ماضٍ) يُستدعى لتحديد معيار المجد، و(حاضر) يُقوَّم ويُنتقد، و(مستقبل) يُراد بناؤه من خلال العمل.
خمسة أنواع من الوصف
وفي القصيدة تمَّ رصد خمسة أنواع من الوصف، هي: [الوصف الأخلاقي]، وتتمثل وظيفة هذا النوع من الوصف في تقويم العلاقات الاجتماعية، وربط النجاح السياسي بسلامة الأخلاق، ومن نماذجه: (فكونوا عنده أعوان صدق ولا يأخذكم حسد وكبر)؛ وهدفه إبراز صفات الصدق والشهامة والبِرّ والعدل، والتحذير من الحسد والكِبر والخداع والمكر. و[الوصف القياديّ] ونستشفه من خلال تعبيرات: (ساس البرايا)، و(هزم السرايا) و(قِرم)، و(الشهم)، و(ذو المزايا)، ويصل هذا النوع من الوصف إلى الذروة في قول الطائيّ: (هو الشهم البَروني ذو المزايا سليل المجد في الهيجاء ذمرُ)، وهدفه بناء نموذج قياديّ يجمع بين القيمة الأخلاقية والمكانة التاريخية والقدرة على المواجهة. و[الوصف المعرفي]، ويتجلّى في قول الشاعر: (أقومي إن للعليا رجالًا لهم في نيلها رأي وفكرُ) للتأكيد على أنّ بناء المجد يرتكز على العلم والفكر. ومنه قول الطائيّ: (غَذّوا أرواحهم بِلُبَان علم) للتأكيد على أنّ المعرفة شرط أساس ومرتكز لتحقيق النهضة، وأنّ التعلُّم والتفكير أساس رصين من أسس نهضة الأمم. و[الوصف البطوليّ] نجده في قوله: (تخيّرك الإمام العدل فاخدم رضاه واثبتنّ، فلأنت بدرُ) وهذا الوصف صار تكليفًا مستقبليًّا يقتضي الاستمرار والثبات. و[الوصف السلبي] وفيه يشخّص الطائي واقع الأمة وحالة تراجعها، وكان غرضه التقريع والتنبيه إلى الخلل الحادث في إدارة موارد وطاقات الأمة، ومن نماذجه في القصيدة قول الطائيّ:(أقومي، بيت مالكم مضاعٌ فلا رأي به، للمال وفرُ).
الانزياحات الفنية وخصائصها
تعددت أنواع الانزياحات داخل متن القصيدة؛ بعدول الطائيّ عن الاستعمال المألوف للغة والتحوّل إلى مجموعة من الصيغ التعبيرية المشحونة بالدلالات والقيم الفنية، وهذا التحوّل متعمّد قصدًا للتفرقة بين اللغة الاعتيادية واللغة الموظّفة في الخطاب الشعريّ ويستهدف تحقيق ثلاث غايات، هي: المجاز، والتكثيف والإيقاع. ويمكننا في هذا السياق رصد خمسة أنواع من الانزياحات، وهي: [الانزياح الإيقاعيّ] ويتولّد في القصيدة من ثلاث زوايا؛ هي: {الإيقاع الخارجي} المتمثل بالوزن والقافية، و{الإيقاع الداخليّ} عبر التجانس الصوتي والتوازي بين الجمل والتكرار المتوالي لعبارة "وفَرْقٌ بين" ومن خلال هذا التكرار المتعمّد نشأ إيقاعٌ حِجاجيّ يتوافق مع عملية المفاضلة، و{الإيقاع التركيبيّ} ونشأ بتعاقب الجمل الخبرية والإنشائية في الأمر والاستفهام. و[الانزياح الصوتيّ] وتحقق من خلال توظيف الخصائص الصوتية في بناء النَّبرة الحماسية داخل القصيدة، ومن نماذجه: {تكرار حرف الراء} الواضح، الذي وَحَّدَ النهايات الصوتية؛ فأوجد الإحساس بالتماسك؛ فتكرار صوت الراء وَلّدَ أثرًا تعبيريًّا من موقعها الإيقاعيّ فضلًا عن تمتين العلاقة بينها وبين نبرة الخطاب الشعريّ ومحتواه، و{توظيف الأصوات الشديدة} في المعجم الحربيّ، بما يقتضيه من مواجهة وحسم، ومن نماذجه "كر"، "فر"،"عزم"، "هزم"؛ وهي أصوات ذات إغلاق أو انحباس نِسْبيّ في بعض مواضع النطق. وتوظيف {الجهر والتكرار}، كون القصيدة خِطابيَّة، حيث تساعد النهايات المتجانسة والتراكيب المتوازية على ملاءمة القصيدة للإلقاء الجهري، بينما جاء انتظام القافية؛ ليُسهم في تثبيت العبارات، بينما دَعَم التكرار استعادتها من الذاكرة. و[الانزياح التركيبيّ] ونشأ من ترتيب الكلمات، وبناء الجمل المتتالية، والتوازي، والتقديم. ومن نماذجه: {النداء المتكرر} في استهلال القصيدة"أقومي"، وفي بعض الفقرات الانتقالية مما أسهم في جعل الجماعة محورًا للخطاب الشعري، و{التوازي التركيبي} بتكرار "وفرْقٌ بين من... وبين" في المقاطع المُقارِنة بهدف إنشاء قالب ثابت تتغير مفرداته، فيتحول البناء النحويّ إلى أداة إقناع وتوكيد. و{الانتقال من الخبريّ إلى الإنشائيّ}، وهو من أهم التحوّلات التركيبية في القصيدة؛ كونها نقلت السامعين من تلقي المعرفة إلى مواجهة المسؤولية، ويُلاحظ في هذا المقام أن الشيخ عيسى الطائي بدأ بعرض صفات الرجال الذين ينالون العلياء، ثم انتقل إلى الاستفهام والتقريع، ثم انتقل بعدها إلى الأمر والنهي؛ لأنه يرغب في نقل المستمع من تلقي المعرفة إلى مواجهة المسؤولية. و{الشرط والجواب} في قوله: "ولولا المزعجات من الليالي لما اعتورته أجراز وبحرُ"؛ وهنا نشأ أسلوب الشرط من علاقةٍ سببيةٍ افتراضية بين العوائق، التي واجهت المناضل الليبيّ سليمان باشا الباروني، وما اعترض مسيرته من صعوبات. وأدت هذه البِنية وظيفة تبريريّة؛ إذ أعادت للقاريء والمستمع تفسير ما واجهه البارونيّ من عراقيل بوصفها نتيجة لظروف معاكسة، وليست دليلًا على قصور في شخصيته. و[الانزياح الصرفي] وقد تحقق من توظيف {الفعل الماضي} في وصف الإنجازات، مثل "هزم"، و"ساس"، و"غذّوا"، في مقابل {الفعل الأمر}، الذي استعمله في التوجيه، مثل "كونوا" و"أقم" و"جدد" و"اخدم"، وهذا التناوب بين الأفعال أسَّس فرقًا بين إثبات الفعل في النماذج الممدوحة، والمطالبة بالفعل في الواقع المأمول. و[الانزياح الدلاليّ] وحدث بنقل الكلمة من معجمها المباشر إلى المجالين القيميّ والمجازيّ، بحيث لا تنقطع الصلة بين الصورة والمعنى، بل أسهم في تقريب المفاهيم المجردة إلى إدراك المتلقي، مع الاتسام بالوضوح والاتصال بالموروث البلاغي. ومن شواهده: (نحروا الكرى) بإسناد النحر إلى النوم، وهو معنىً مجرد، مما يحوله إلى خصم يُقاوَم. وقوله: (فلأنت بدر) وفيه نقل صفات البدر إلى سليمان البارونيّ لتصوير الرفعة والإشراق.
أنساق البنية الأسلوبية
في هذه القصيدة تفاعلت ثلاثة أنساق رئيسة داخل بنيتها الأسلوبية، وتضافرت معًا من أجل بناء عمل شعريّ متماسك يجمع ما بين البناء الجمالي والوظيفة الإقناعية في إهاب واحد، وهي: [النسق الإيقاعيّ] ويعمل هذا النسق على تثبيت الخطاب وإكسابه قابلية للإلقاء والحفظ، وتجلى في الوزن والقافية الموَّحدة، وفي تكرار بعض التراكيب والألفاظ. و[النسق التركيبيّ]، وتجلّى في الانتقال من النداء والخبر إلى الاستفهام والتقريع، ثم إلى الأمر والنهي. ويعكس هذا الانتقال مراحل الحِجَاج باستدعاء المخاطَب، ثم تنبيهه إلى الخلل، ثم تقديم النموذج، ثم مطالبته بالفعل. و[النسق المُعجميّ] وارتكز على التفاعل بين مفردات المجد والعلم والقوة من جهة، ومفردات الجهل والحسد والمكر والضياع من جهة أخرى. وهذا التوزيع منح القصيدة نظامًا قِيَمِيًّا واضحًا.
وفي الأخير.. يمكننا القول إنَّ خصوصية هذه القصيدة تكمن في كونها قصيدة شعرية استنهاضية حِجاجية، استثمر فيها الشاعر عيسى بن صالح الطائي أدوات التراث الشعريّ العربيّ في سبيل بناء خِطاب إصلاحيّ، جعل من الذاكرة التاريخيّة وسيلة لمُساءلة الحاضر، ومن النموذج القياديّ في شخصية سليمان باشا الباروني وسيلة؛ لاستثارة الفعل الجماعيّ.
